هذه قصتي

هذه قصتي الجزء التاسع عشر

هذه قصتي الجزء التاسع عشر

هذه قصتي الجزء التاسع عشر …

رحلة آبوظبي الجزء الثاني …

فتحت خزانتي ….. آه تلك العباءة  السوداء …. لازالت بعض الملابس .. تذكرني ..

بدوام المدرسة  و بسباق الأزياء … كان هذا الأمر مرهق لي ….

اختيار ملابس الصباح .. لإرضاء  الطالبات حينا و المدرسات حينا آخر ..

ففي المدرسة التي كنت أعمل بها … عليك أن  تدعي الثراء و تظهر بمظهر الغني …

و إلا رمقتك عيون طالباتك بعين الشفقة … خرجت من غرفتي …

دخلت غرفة ابني أحمد .. لازالت بعض الألعاب و الصور و الذكريات …

هنا كان يجلس مع والدي .. يطعمه بيديه …… استدرت إلى المطبخ …

فتحت خزائنه … لأتفقد أشيائي الصغيرات …. تغير كل شيء ..

لم يعد آي شيء على سابق عهده .. يا الله … وجود المرآة في البيت روح و حياة ….

علي آن أبث الروح مرة أخرى في هذا البيت …. على آن آملأ جدرانه بالحب ..

و الطاقة ……. لا يمكن  أن أقبل أن يكون بيتي بهذه الهيئة …

رغم أنني أحاول إدارة بيتي في أبوظبي من مونتريال .. فأتواصل مع الخادمة ..

مرة و مع الناطور مرة أخرى … هكذا كنت و هكذا صرت … صحيح أن كل شيء نظيف ..

لكن لمساتي .. كانت مفقودة في جميع زوايا البيت … فتحت الثلاجة…

و إذا بزوجي الحبيب قد ملأها بكل ما لذ و طاب من الأطعمة ..

لكن لم يشتري الفاكهة .. قال لي .. أعرف أنك  تحبين شراء كل شيء بنفسك… هيا بنا …

ـ إلى أين ؟

ـ إلى  سوبر ماركت كلرز … ؟

ـ كلرز لم يكن سوبر ماركت .. هذا متجر للملابس ..!

ـ لقد أصبح سوبر ماركت كبير يفتح أربع وعشرون ساعة ..

و أنا أستغل قربه من البيت أقوم بالتسوق اليومي فيه .

والدي الحبيب

ـ هيا إذا …

دخلت السوبر ماركت .. كل  ماركات الحليب و اللبن المعروضة  على الرف  …

كانت  غريبة شيئا ما علي .. … فقد اعتادت  عيناي و خلال ثلاث سنوات على قراءة اللوحات  الفرنسية ..

ستعتاد .. شيئا فشيئا … على الماركات العربية …..

أمسكت بيد زوجي … بقوة .. تشبثت به و كأنها اللحظة الأخيرة  لي في الحياة …

كلما ابتعدت بيننا المسافة  قليلا .. شددته إلي .. و التصقت به أكثر … اشتقت لرائحته ..

لهدوئه .. و رزانته … اشتقت لنبرات صوته  .. كنت أنظر إليه  كالعاشق الولهان ..

أراقب حركات رأسه و شفاهه و هو يدفع النقود ….

و السيدة التي تمرر  المشتريات على الكاونتر تتحدث معه و تلاطفه و تضحك و كأن بينهما صحبة قديمة ..

تشبثت به أكثر .. أريد أن تعلم هذه التافهة …  أنه لي .. فقط ….لا يمكن لأنثى أخرى أن تمتلكه …

قبلته … بعد أن دفع النقود .. بهدف إغاظة السيدة الأسيوية التي ابتسمت ابتسامة صفراء ….

خرجت من باب المحل و كأنني أمر من قوس النصر … حققت هدفا عليها ..  نشوة الانتصار

… لن تتجرآ مرة أخرى ….

ماذا بي . … ؟  لست من النساء اللواتي يظهرن الغيرة .. آو ممن تقتلهن الغيرة … لكن …

في كل خطوة لي في زيارتي هذه .. كانت كل حركة .. و كل نفس .. و كأنه إثبات لذاتي التي تاهت ..

بين ثلوج كندا … نعم أغار … آغار عليه … بل و تقتلني الغيرة ….

من اليوم سآغار عليه و سأمنع عنه كل نساء العالم …. سأخنقه …

سأكبله بالسلاسل …. لن يستنشق سوى عطري  .. لن يحب غيري ….

ـ أتحبني ….؟

ـ أبعد آربع عشر عاما من الزواج تسألين ؟

ـ سأسأل و أسأل .. حتى على فراش الموت … سأسأل .. هل تحبني .. ؟

ـ … طبعا أحبك …

– لماذا علي في كل مرة أن أسألك  …..لماذا لا تخرج كلمات الحب من فمك .. بسهولة …

لماذا أحتاج إلى سلاسل من الذهب لسحبها من فمك …. كلمة من أربعة  أحرف ..

كل ما أريد أن تهمس  به في أذني ..

ـ أنتم السوريين تربيتم على الكلام المعسول … لا أنكر جمال لهجتكم .. لكن ..

فيها الكثير من النفاق التي لا تروق لنا … نحن كتونسيين … نحن لا نلفظ الحب ..

نحن نصنع الحب .. و نعيشه … هيا .. بنا .. أحمد بانتظارنا …

طريق العودة .. كان أطول من طريق الذهاب .. إلى البيت .. مشيت و الدموع تترقرق من عيناي …

لا أعرف .. كل ما أعرفه أنني أصبحت أكثر حساسية … مما قبل و كل ما كنت أقبله قبل سنوات …

لم أستطع تقبله الآن ..

لكن … هل تستطيع ثلاث سنوات من البعد أن تغير في حال الإنسان … ؟…

نعم .. لقد تغيرت …لقد غيرت بي قسوة  الحياة في كندا الكثير و الكثير …

تغيرت … و أصبحت … أكثر صلابة … رغم ضعفي …

في اليوم الثاني من رحلتي … أخذت مفاتيح سيارتي  التي تركتها …

السيارة الأولى التي امتلكتها في حياتي … السيارة بالنسبة لي هي  البيت و الملجأ ..

هي الحرية .. هي الانطلاق …..أدرت مفاتيح السيارة … لم يكن في بالي سوى جهة واحدة … و طريق واحد .. أعرفه  تماما …

طريق البحر … كاسر الأمواج ….. فتحت نوافذ السيارة .. و شغلت المسجل  على أعلى درجة من الصوت ….

على أغنيتي المفضلة … شأم .. للينا شاماميان …. وصلت كاسر الأمواج …..

و ركضت إلى آخر الكاسر … كنت وحيدة في المكان  فبسبب حرارة الطقس لم يكن في موقف السيارات  غير سيارتي ..

. وقفت على صخرة … استنشقت هواء البحر …. و انفجرت بالبكاء ….

بكيت و بكيت و علا صوتي .. أريد أن يسمع هذا البحر .. مدى افتقادي له … هنا .. كنت أجلس معه  …

هنا .. علمني السباحة .. هو من علمني حب البحر … قالي لي يوما … البحر غدار … لكن ..

لا يغدر بمن يحبه ….صرخت … بابا … أين أنت … بابا … لقد عدت …. أنا هنا ..عدت لمكاننا …

المفضل …. عد  أرجوك .. عد يا أبي … استدرت و إذا برجل كبير في السن .. إماراتي …

يقول .. ادعي له  يا بنيتي … اقتربت منه .. قلت له … كنا.. نجلس هنا سويا … منذ ثلاث سنوات …

هنا … تحت هذه الصخرة …نحتت اسمي و اسمه …. لو رحلنا . .. ستبقى أسماؤنا للذكرى ..

ضحك علي   … و أنا أمسك بالسكين و أحفر… أحفر أحرفنا …

قال : .. من يصدق بأن  وليد هو والدك … سيقولون .. عشيقك …

لم يكن يعلم .. ما كنت أكنه  له من حب … لا سيما بعد أن تزوجت …. أصبحت .. أكثر تعلقا به …

فرغم كل  المشاحنات التي كانت تمر بيننا .. إلا أنه  لا رفيق لي بعده ….رجل طموح …

يخطط لمشاريع و لا يملك مالا …جسمه .. فيه الصحة و القوة .. أكثر من الشباب …

لا أنسى بنطاله الجينز .. و قميصه الأزرق ذو الجيب  .. و حذاءه الأبيض … كان أنيقا ..

جميلا .. مفاخرا بسيجارته و بسيارته … و ببناته … و برؤى … يهوى الصيد … و يعشق السمك …

و رغم أنه بطبيعته غير صبور كان يدهشني  صبره على الصيد و انتظاره لساعات طويلة ..

ليحصل على سمكة صغيرة …

ـ البحر رزق يا ابنتي .. و عليك  أن تبحثي و تركضي وراء رزقك ….

كما ترينني فآنا أقفز من صخرة لأخرى و من صنارة لأخرى … هكذا يسعى البشر .. و عليك بالسعي …

لن تعودي خائبة .. ما دام الله في عقلك و قلبك …

لم أكن أعلم أن حروف كلماته … هي التي ستحفر في  قلبي و عقلي ..

ليست حروف اسمه على تلك الصخرة …

رن الهاتف … إحدى الصديقات  تقول لي لقد رتبت لقاء … خاصا  سوف يجمع الجميع …

هيا لا تتأخري اليوم بعد الإفطار …سنلتقي في ذلك المول .. لا أتذكر اسمه ..

ـ آكيد سآتي .. مشتاقة جدا لأرى الجميع ….

وصلت  المكان الذي اتفقنا أن نلتقي به ….. و جلست مع مجموعة من الصديقات القدامى …

إحساس غريب .. و كأنني لا أْعرفهم ..ما يضحكهم .. لم يعد يضحكني … أحاديثهم ..

لم تعد تعنيني .. لم يعد بيني و بينهم أي روابط مشتركة ….. لازلن .. يتحدثن ..

عن  مستلزمات العيد … و المعمول … و عن عدد الأثواب والعباءات اللواتي اشترينها لأولادهم في العيد ..

إحداهن تقول .. لقد اشتريت لابنتي ملابس بمبلغ  ثلاثة ألاف درهم .. و الأخرى .. ابنتي كانت لطيفة  ..

اكتفت بآلفين درهم  فقط ….  سألنني ماذا اشتريت على العيد ….؟  عيد .. عن أي عيد يتحدثن …

لم يعد العيد يشكل مناسبة فرح بالنسبة لي … لكنني سأتظاهر الفرح … نعم .. سأشتري …

احداهن .. كانت ترتجف رعبا … تمسك بهاتفها .. متوترة …

ـماذا بك … ؟

ـ قال  لي زوجي: .. معك فقط ساعة واحدة .. للقاء صديقتك … ؟

لم يكن مني إلا أن شكرتها و قبلتها … لكني لم أخفي أبدا امتعاضي من هذا الحكم الديكتاتوري على سيدة آربعينية ..

نتغير بحكم الزمان و المكان …  هم هائمون يبحثون على فساتين العيد … لا ألومهم ….

فهكذا يرون السعادة … بشراء ملابس جديدة …

بالمفاخرة بعدد  أصناف الحلويات التي سوف يقدمونها للضيوف في العيد …

بثلاثة آو آربعة هواتف نقالة من السامسونج و الايفون .

إلى عدد مفاتيح السيارات التي يرمون بها على طاولة القهوة ….بعضهم ..

يرى السعادة في عملية تصغيير معدة .. و أخرى في عملية تجميل أنف

و عمليات شفط و نفخ و ملء لا آتحدث عن الأثرياء فقط من سكان المدينة ..

بل هي عادات مجتمعية  يكتسبها الانسان من المحيط .. سواء كان غني آو متوسط الدخل ..

فتجد حتى  من متوسطي الدخل ممن يدخلون  في هذه المعمعة .

أما  عني … أنا فأصبحت أرى السعادة بشكل مختلف تماما…

سعادتي أصبحت  هي في النجاح في كورس اللغة الفرنسية  …

في  تجاوز سنة ومرحلة  لي في كندا .. سعادتي .. في قبولي للدراسة في جامعة ..

كنت أحلم بها … سعادتي ..أن أرى ابني يعيش في مجتمع متوازن ..

جدا …يتصف بالبساطة … و عدم التكلف.

مشيت قليلا في ردهة  المول .. أشكال و ألوان …

و مراهقات يثقلن وجوههن بكميات لا يمكن وصفها  من الماكياج …هذا  يلحق بهذه ..

وهذه تلحق بهذا .. و أخرى تختبئ خلف أحد الأعمدة .. لتعطي رقم هاتفها لأحد المعجبين ..

مظاهر .. كانت موجودة قبل سفري لكندا …لكن ..  لم أكن ألاحظها بهذه الشدة ..

أو ازادت  وضوحا في هذه المرة بحكم أنني  ابتعدت أكثر …. تعبت من المقارنات …

هنا أقارن .. و هناك أقارن … لم أرى كل هذه المظاهر في مونتريال

من ملاحقة الشباب للبنات آو ملاحقة البنات للشباب ..

فالقانون في كندا حاسم بالنسبة لحالات التحرش…

لم أجد في كندا كل ما كانوا يتحدثون عنه عن فسق الغرب و عن فجورهم ….

كل ما كان مختلفا .. أنهم يفعلون كل شيء على العلن … يحبون على العلن …

يظهرون انتماءاتهم الجنسية و النفسية .. ببعض القطع المعدنية التي يضعونها في أنوفهم أو وجوههم ….

يرسمون ما يعتقدون به .. بلوحات فنية على أجسادهم …هذا كل ما في الأمر..

ستفتقد في المهجر كثيرا من الأمور .. أولها .. سماع الآذان …

ومنظر المصلين و هم يقطعون الطريق يوم  الجمعة .. ستشتاق إلى كل ما يمت لك بصلة ..

دينية .. و معنوية … لكنك .. لن تشتاق للنفاق الاجتماعي … فأنت هناك ..

ستتعلم على قول كلمة لا … عندما لا ترغب بعمل  شيء ما ..  ..

لن تضطر لحذف هذه الكلمة من قاموسك بحكم المجاملات …

و .بعد أسبوعين …من زيارتنا لأبوظبي  حزمت حقائبي .. لأعود و أكمل ما بدأت به هناك ….

هناك الكثير مما ينتظرني .. في مونتريال ..  صحيح لقد كانت إجازة قصيرة لكنها جميلة ..

بجمال من رأيتهم هناك …

كانت هذه الزيارة حاسمة لي .. بشأن  قرار العودة .. لأبوظبي ….

هذا القرار الذي لطالما كان يروادني.. سيكون قرارا صعبا .. لا سيما بالنسبة لابني …

ودعت الجميع على أمل لقاء قريب … لكني .. في هذه المرة .. لم آذرف الدموع مثل كل مرة ..

كنت سعيدة جدا بعودتي لمنزلي .. نعم .. هناك في مونتريال ..

في هذا البيت الخشبي .. آجد عزلتي و نفسي .. آجد ضالتي .. أفكر بسلام …

و أمان … دون أن أتأثر بكل من حولي ……

ركبت الطائرة و آنا آدعو الله  أن يأتي آنطونيو إلى المطار لاسقبالي …

بسيارة مارسيدس هذه المرة و ليس بحافلة هوب هوب …

رؤى الكيال – مونتريال

11 \7 \ 2017

حقوق الملكية  و النشر لموقع أهلا بكم في كندا ..

الوسوم
اظهر المزيد

Roua Kayal

أستاذة في الكيمياء - مدونة سورية من مدينة حمص - ناشطة إعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي - مديرة موقع آهلا بكم في كندا - مهتمة بأمور الهجرة و المهاجرين إلى كندا و كل ما يخص الاندماج في المجتمع الجديد الكندي .. آقدم نصائح من خلال تجربتي الشخصية في كندا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق