هذه قصتي

هذه قصتي … الجزء الثالث .

هذه قصتي ... الجزء الثالث .

قصتي بعد وصولي الى بيتي في أبوظبي في أتعس إجازة قضيتها في حياتي ..
عدت لحياتي الطبيعية و لعملي و نسيت كل ما مررت به . .. و حتى فكرة كندا كنت قد نزعتها من ذاكرتي …
لا يوجد فيها ما يشد تلك البلاد ….سآبقى و سأكمل كل نجاحاتي …
و خلال عام كامل من العمل الدؤوب كان زوجي في حالة متابعة لبطاقات الإقامة
حيث أكدت لنا صديقتنا أنها لم تستلمها و لم يصلها أي شيء …
قام زوجي بالتواصل مع السفارة الكندية في أبوظبي ..
قالوا له عليك أن تعود الى كندا لاستلام البطاقة بنفسك هناك ..
و عليك أن تقدم مرة أخرى للحصول عليها …
– ماذا تعني ؟
– يعني علينا الذهاب مرة أخرى في هذه الصيفية ..
– ألا يوجد حل أخر … دعك منها … دعنا نذهب لقضاء الصيفية في تونس ..
لم أستمتع في الصيف الماضي أرجوك .
– خسرنا الكثير .. أن لم نذهب ربما ستكون خسارتنا أكبر علينا الذهاب ..
– يا الله …لكن لازلنا نسدد ديون الاجازة السابقة ..
رد بلهجته التونسية الجملة التي يرددها الجميع في المغرب العربي : ( الله غالب ) .
و مرة أخرى علي أن أعيد الكرة . سأذهب لتلك المدينة الكئيبة مرة أخرى … يالله .. ألهمني الصبر !
– هل تعرف أحد هناك في تلك المدينة لأن أصدقاؤنا الجزائريون سيذهبون الي الجزائر لقضاء اجازتهم و سنكون لوحدنا …،
رمضان مرة أخرى هناك يمر اليوم كسنة .
– أعرف صديقا لي اسمه بسام قد ترك تونس و هاجر الى كندا منذ آكثر من عشرون عاما ،
كنا نخطط سويا للهجرة لكن ظروفه سمحت له .. ،،
أما آنا فعشت يتيما لا أم لي و لا أب لا معين لي سوى رب العالمين .
كان زوجي لا يأبه لمواقع التواصل الاجتماعي و ليس لديه آي حساب على الفيسبوك
و هو بشكل عام إنسان جدي لا يسعى الى تكوين الصداقات،
لكن بنفس الوقت يرحب بكل من يريد التواصل معه .
– سأبحث عن بسام !! ربما سوف نحتاجه هناك ..
و فعلا بدآت آكتب الاسم بكل الحروف و كنت في حالة من التوتر و القلق أبحث عن بسام
و كأنني أبحث عن منقذ لنا في تلك المدينة ..
صرخت : وجدته … لكن لا يوجد له صورة تدل على انه هو ..
– ربما يوجد ألف بسام …
– سأجرب و أرسل له رسالة و سنرى ؟
– مرحبا بسام آنا زوجة صديقك .. هل تذكره درس معك في المدرسة الابتدائية
و كان من أْعز الأصدقاء نحن قادمون لمونتريال في ٢٢\٧\٢٠١١ ان كنت صديق زوجي .
فإني أبلغك السلام منه و التحية على أمل أن نلتقي بك في مونتريال .
– و آرسلت له في نهاية الرسالة أرقام هواتفنا و حسابات السكايب .
و انتظرت الرد من بسام يوما فيومان أسبوع فأسبوعان …
لا يوجد ما يشير إلى أنه هو بسام صديق الطفولة ….
و فجأة رقص هاتف زوجي … مكالمة على السكايب ..
– أهلا بيك يا صديقي ..
أنا بسام اليوم قرأت رسالة رؤى و فرحت فرحا شديدا لخبر قدومكم لمونتريال أنا في انتظاركم.
كنت أراقب بريق عيني زوجي ، كان يتحدث بلهفة و فرح استمر الحديث ساعة من الزمن
تحدث كل منهما عما ألت اليه الحال منذ عشرون عاما ….
حان موعد الرحيل …كعادة زوجي يستمتع بالسفر و يعتبر ركوب الطائرة ضربا من ضروب الترف ،
أما آنا فالسفر و لا سيما الى تلك المدينة الرمادية كان بالنسبة لي كان حكما بالتعذيب ..
وصلنا مونتريال في ٢٢\ ٧\٢٠١١ مرة آخرى .. كانت آكثر اشراقا ..
كانت تمد يدها لي لترحب بي مرة أخرى بخجل
كانت خجولة هذه المرة ، لم تكن مكفهرة غاضبة كالمرة السابقة ،
كانت الشقة اكثر جمالا من سابقتها تقع أمام حديقة جميلة و مسبح و ألعاب للأطفال .
و منذ اليوم التالي بدأنا بالاتصال بوزارة الهجرة و أعطيناهم عنوان صديقنا مرة أخرى
وقالوا لنا لا تستطيعوا المغادرة مرة أخرى بدون بطاقة الاقامة ستصلكم الى العنوان الجديد
خلال ثلاث آسابيع .
مكثنا هذه المرة ٤٠ يوما .
– اسمعيني جيدا علينا أن نكتشف المدينة التي سنعيش فيها
سآقوم بشراء بطاقات للباص و سنقوم كل يوم بالخروج في الباص
من أول الخط الى نهايته و كل يوم سنبحث عن خط جديد .
– لكن رمضان كيف لنا أن نمضي كل اليوم و نحن صائمون و أن ترى درجات الحرارة .
– لا يهم لا أريد أن تذهب الإجازة سدى كالسنة الماضية قومي بتحضير كل شي السندويشات
و العصائر و سنخرج في كل يوم و وقت الافطار سنجلس في أي مكان و سنفطر
لا سيما أن أغلب المطاعم هنا تغلق في وقت مبكر .
وقفت في ذلك اليوم أمام المرآة و أنا أتحدث إلى نفسي ..
عليك أن تكوني جيدة ، عليك أن تصطنعي الفرح .. أن تمثلي دور السعادة .
لا تفسدي عليه سعادته و إجازته ، اخجلي من نفسك إنه يفعل المستحيل لإسعادك .
كان زوجي سعيدا فرحا بالطبيعة ، كل شيء بالنسبة له كان ورديا ،
يستيقظ في الصباح و بكل نشاطه يآخذ آحمد الى المسبح و يقضي سويعات مع آحمد
آما آنا فآجلس في الشرفة المقابلة للحديقة آشاهدهم .
و بالفعل بدأنا باستكشاف المدينة ،، هنا و هناك كنا نقضي ساعات في باصات النقل العام ،
نجلس أخر مقعد .. لم يكن لدينا المال الكافي لاستئجار سيارة
كنا نريد أن نقتصد في المصروف فإجازتنا آربعون يوما ..
يعني علينا أن نتصرف بحكمة فيما لدينا من نقود ،
آذكر أنه كثيرا من الآيام كنا نجلس على الرصيف من شدة التعب و المشي و نفطر عند غروب الشمس
لم نكن نعرف إن حان موعد الاذان أم لا ،، أما آحمد فكان مرة على يدي و آخرى على كتف أبيه ..
و التقى الصديقان بعد فراق آكثر من عشرون عاما ،
اصطحبنا بسام لبيته و تعرفت على زوجته التي كانت آيضا صديقة لزوجي في نفس المدرسة ،
آجمل الأيام قضيتها في صحبتهم ..يالله ما ألطفهم …ما أكرمهم ..!
لحسن الحظ كان لدى بسام طفلة من عمر ابني أحمد .. آخيرا آحمد ليس وحيدا ..
لن يشعر بالملل كان يقضي الآطفال الآوقات و كآنهم في حصة ترجمة
فسيرين تتكلم الفرنسية و التونسية و ابني يتكلم الحمصية و الانجليزية و الاثنان لا يفهمان على بعض
كان دور زوجي و بسام الترجمة لهما …
بدأ الضباب ينقشع شيئا فشيئا عن قلبي المثقل باللؤم على تلك المدينة….
لم يتركنا بسام فقد آخد اجازة من العمل و خطط مع زوجته أن نقوم بجولة سياحية في ضواحي مونتريال
و فعلا قمنا برحلة سفاري الى حديقة الحيوان و اخرى الى الآلعاب المائية ، أصبحت أقرب من هذه المدينة .
ما أجمل البيوت .. ما آنظف الهواء كانت السناجب في كل مرة أنزل فيها للمشي في الحديقة تغازلني ،
آركض آحاول اللحاق بها لكن عبث انها أسرع من البرق .
كانت هي المرة الأولى في حياتي التي أرى بها السناجب ،
في كل صباح كان آحمد يخرج الى الشرفة و يضع حبات الفستق و يختبئ و ينتظرها ،
و كانت في كل مرة تتسلل سارقة حبات الفستق و تهرب و تلوح لنا من بعيد أنني هنا ..
و لن تستطيعوا الامساك بي .
زرنا في هذه الاجازه المدينة القديمة لمونتريال و مركز العلوم و بعضا من الحدائق المشهورة هنا ..
حان وقت الرحيل … علينا أن نعود أدراجنا فقد استلمنا بطاقات الإقامة و نحن الأن في السليم ..
ودعنا بسام و ثريا و سيرين كان قلبي قد تعلق بهم ، أحسست أني أودع قطعة من قلبي …
لا أعرف إن كنت سأعود مرة أخرى أم أنها المرة الأخيرة التي سأراهم ..
شكرا لكم .. شكرا لكل ما فعلتوه .. لآجلنا .. لازالت الدنيا بخير ..فعلا رب آخ لك لم تلده أمك ..
كلمة حق تقال في حق هذه العائلة التي ساهمت في تغيير نظرتي عن هذه المدينة ..
رجعنا أبوظبي و في قلبي غصة …..
عدت لعملي و لازلت لا أعرف إن كنت سأكمل في مشروع الهجرة
أم أننا سنتراجع و نغض البصر .. ونكمل طريقنا و مشروعنا في تونس …
و آنا في طريق عودتي كانت لاتفارقني عيناه .. عيناه الصغيرتان العسليتان المكورتان ..
كان ينظر لي كل يوم من الشرفة …. يحاول الايقاع بي …يحاول فتنتي بكل الوسآئل .. يحدق ..
و يهرب .. يلوح من بعيد … آنا هنا في انتظارك لا تطيلي الفراق …
…كان يآتيني كل يوم في المنام .. يحدثني عن الشوق و الحنين .. يقول لي .. عودي .
هنامن يستحقكك …..
و للحديث بقية …..
رؤى الكيال
٣٠ \١٠ \ ٢٠١٦
حقوق الملكية و النشر محفوظة .
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق