هذه قصتي

هذه قصتي الجزء الثامن عشر

هذه قصتي الجزء الثامن عشر

هذه قصتي الجزء الثامن عشر …

بدأت رحلة التسوق و شراء الهدايا … أدخل من  محل  و ألملم ما أجده على الرفوف …

لا يجب على آن أنسى شراب القيقب و كل ما تشتهر به كندا ..و هذا العقد المرسوم عليه علم كندا …

هذه قبعة مرسوم عليها علم كيبك و آخرى مطروز عليها علم كندا …. هل أشتري هذه آم تلك ؟

… سأشتري الاثنان ….هناك محل للأطفال …..سأشتري الكثير من الفساتين الجميلة ..

لابنة آختي لين …. لين الحبيبة … ولدت على يداي … بعد شهر من ولادتها غادرت أبوظبي ..

عمرها بعمر غيابي عن أبوظبي … قطعة من روحي .. بل كل روحي …

لا حب ينافس حبي لأولاد آختي  غنى ….

غنى … حبيبة القلب و الروح و قطعة من القلب .. غنى رفيقة الدرب ..

رفيقة كل الأيام الجميلة و الحزينة .. غنى صاحبة القلب الكبير
..

غنى من كانت تتلقى الضربات  لتقيني منها عندما كنا صغارا … غنى  كاتمة الأسرار … غنى …

قصة أخرى من قصص الحب و التفاني و التضحية … سألتقي بأختي …

و بأولاد أختي … شوقي لهم .. كان يفوق كل شوق …

و مرة أخرى … أفتح ثغر كل الشنط و أملأها  بكل ما هو أحمر …هل هو الحب ..

آم  هو الشوق آم أنها صدفة .. أم أنه  لون  كندا الأحمر .. …

أو هو لون الدماء التي اعتدت على مشاهدتها  في مشاهد القتل في بلدي ……..

لا أعرف كل ما أتذكره بأنه كل ما اشتريته طغى عليه  اللون الأحمر …

ملئت شنطي كعادتي بكل ما هب و دب و بكل ما يخطر بالبال ….في هذه المرة ….

أصرت عائلة صديقي آنطونيو على توصيلي إلى المطار … قال لي ..

سأوصلك إلى المطار بسيارة مارسيدس موديل العام … لم يكن يهمني لا موديل و لا سيارة ..

كل ما أريده أن أصل إلى  المطار …

و بعد انتظار ربع ساعة في الشارع … و إذ بسيارة تشبه سيرفيس النقل العام بسوريا …

ميني باص .. تقف  آمام بيتي .. و أنطونيو و زوجته  يلوحان من النافذة ….

انفجرت من الضحك قلت له … آين المارسيدس .. قال صديقي غبي ..

اعتقد بآننا ذاهبون فقط لنقل الأمتعة .. و جاء بهذا الباص .. عليك الركوب ..

عليك آن تجربي حياة المكسيكيين … فتحت باب السيرفيس .. و إذا به فارغ ..

آين المقاعد ؟  .. لا يوجد مقاعد .. أين سأجلس ؟  …

قال لي:  ستجدين دولابين اجلسي على أحدهما و دعي أحمد يجلس بجانبي …

كدت أموت من الضحك …. قلت له … لن أصل ابوظبي ..  كسيدة و وزوجة ..

شكلي بعد الخروج من هذا الدولاب .. كميكانيكي في ورشة تصليح …

قضينا الوقت و نحن نضحك …. آما أحمد  فكان يراقص حاجبيه  رافضا الجلوس في الآمام ..

محاولا  الهروب من المقعد الأمامي ليجلس في الدولاب ….

وصلت مطار  تريدو مونتريال ..  و كعادتي .. أصل قبل إقلاع الطائرة بأربع ساعات أو خمسة ..

أخاف دائما من مفاجئات الطريق … و أْعيش حالة من التوتر تصل إلى حد المرض النفسي من السفر …

ليس الخوف من ركوب الطائرة .. لم أخف يوما من إقلاع الطائرة أو من هبوطها …

كل ما أخافه  و أخشاه .. لحظات الفراق … أكره لحظات الوداع ..  و أكره المطارات …

لأنها تحمل في نفس كل  مسافر .. رحلة من الذكريات .. و من الأشواق ….

صعبة هي لحظات الوداع .. في كل مرة أتعود بها على مدينة و على  أصدقاء و أحبهم ..

على أن أْعيش لحظات الوداع … و في كل قبلة وداع .. سؤال  يجول في خاطري ..

هل هي المرة الأخيرة التي سأراهم بها …جلست في قهوة  في المطار بعد أن ودعت  أصدقائي …

أراقب وجوه المسافرين .. هوايتي المفضلة … قراءة وتفسير الوجوه …

أستطيع قراءة و تحليل شخصية أي إنسان بمجرد الاقتراب من وجهه و سماع صوته …

كنت أرى في وجوه بعضهم الخوف .. وفي وجوه آخرين .. الأمل …

بعضهم كان خاوي من الأحاسيس .. ملامحه باردة كبرد كندا …

بعضهم يضع سماعاته على أذنيه و يعيش في عالم الانفصال عن الواقع و عن المحيط …

مشيت قليلا في السوق الحرة ….حتى لو تسوقت قبل السفر ..

لا بد من شراء بعض الحاجات الغير ضرورية غالبا .. لكن هي متعة الشراء ….

آو ربما الشعور بالقوة … بل الشوق  للذة الإجازة .. بعد  ثلاث سنوات طويلة من كل الأسى و التجارب المريرة …

أمشي في السوق الحرة و أتذكر تحضيراتي للسفر لسوريا و من ثم لتونس و شراء الهدايا  و الشوق للقاء الأحبة ….

كنت أحب السفر .. لكن منذ أن وطئت قدامي أرض كندا …

كرهت السفر أكثر من كرهي لأي شيء آخر …هنا .. المسافة طويلة جدا ..

قرابة الأربعة عشرة ساعة في الجو … في هذه المرة ..

اقترح زوجي آن نأخد طيران KLM  هو دائما يفضل في الرحلات الطويلة أن نقوم بالترانزيت …

لنرتاح قليلا و بالفعل فقد أحسن الاختيار فالطائرة مريحة .. و الخدمة فيها ممتازة ..

أكثر ما لفتني في هذه الرحلة هو جمال المضيفات على كبر سنهن  لم تكن أصغرهن أقل من خمسين عاما ..

بعضهن رسمت الحياة تجاعيدها على وجوههن لكنهن مازلن جميلات … رقيقات …

نزلت في أمستردام  لسبعة ساعات من الترانزيت .. كانت فرصة لي لأن أدور في مطار أمستردام الجميل ..

فيه من الخدمات و الأسرة التي يستطيع ركاب الترانزيت الاستراحة و النوم …

في وسط ساحة الترانزيت .. بيانو … جلست أدندن عليه و أتذكر  أول معزوفة تعلمتها في حمص ….

ليلة حب لأم كلثوم … عزفتها … و رغم أن أصابعي لم تكن بتلك الخفة …

إلا أنني فور انتهائي … نلت على تصفيق المستمعين …

ثم حاولت التهرب لأترك فرصة لأخرين ممن يريدون العزف … جلس أحدهم …

رجل يغزو الشيب رأسه لكنه وسيم أنيق .. وبدأ بخفة يراقص أصابع يداه و يطرق على البيانو …

يعزف شيئا ما  من سيمفونية  بيتهوفن … كان الرجل محترف .. و كلما انتهى من معزوفة ..

طلب الجمهور المزيد و المزيد …قضيت آكثر من ساعتين و أنا أجلس و أستمع لألحان المسافرين …

كان لحن السفر … ألحانهم مليئة بالفرح … لا تشبه موسيقانا الحزينة…

لطالما سألني أصدقائي … لماذا موسيقاكم حزينة … تدخل الحزن و القهر بينما موسيقانا …

تدخل  البهجة و السرور … كان جوابي … له .. كل الألحان ترتبط بالحالة و الواقع الذي يعيشه الملحن ..

واقعنا العربي واقع مليء بالقهر و الدم .. واقعكم .. واقع مليء بالرقص و شرب الخمر …

و النسيان و الانفصال و الغوص في قصص الحب التي لا تنتهي …

إنهم شعب لا يستطيعون الحياة بدون حب .. بينما نحن … نستطيع العيش على ذكرياتنا …

تموت فينا و نموت فيها … نعيش في الحزن و يعيش فينا … حتى في لحظات الفرح ..

نلوم أنفسنا .. قائلين . الله يعطينا خير هذا الضحك و كأن الضحك لم يعد مكتوبا لنا …

هبطت الطائرة في مطار أبوظبي … و هبط قلبي معها ..

. و كأنني أصل إلى أرض الميعاد … هي بالنسبة لي أرض الميعاد … بل مدينة المدن …

هنا بيتي و ذكرياتي .. مشتاقة .. لكل تفاصيل البيت ..  لصحوني و لكؤوسي …

مشتاقة لرائحة الهواء الرطب .. للبحر .. لتسكع الناس .. للسهر .. مشتاقة للصحبة ..

مشتاقة للحياة الطبيعية.. لحياة الأسرة .. لحياتي القديمة …

تمت عملية الهبوط و ختم الجواز و إخراج الحقائب بأقل من خمس و أربعون دقيقة    ….

كل شيء يمشي بسرعة البرق    …..لا شيء يشبه معشوقتي .. …

تكاد ترى الفرق .. منذ دخولك أرض المطار … رائحة البخور و العود تملأ أرجاء المطار و رخام الأرضيات  يشبه المرايا ..

يعكس كل شيء .. كل وجوه المسافرين …  في هذا المطار …حتى ملامح الناس مختلفة ….

… و عندما فتح الباب و بدأت بالمشي .. لمحت  ابنة اختي الصغيرة لين ..

تجري بسرعة البرق و معها وردة صغيرة تكاد تكون الوردة أطول منها … ركضت إليها ….  …

استنشقت لين .. رائحتها شهية زكية …كعطر حمص …

… ركضت إلى أختي غنى .. قبلت يداها قبلتها … ضممتها إلى صدري .

تعالي يا حبيبة الأزمان .. اسكني هنا في حضني .. صغيرتي أنت و حبيبتي ..

أختي و أخيتي ….هجمت غنى إلى أحمد و بدأت تضمه و تبكي …

يا لله لا تفرقني عن هذا المكان … لا أريد العودة مرة أخرى … أريد أن أبقى هنا ..

في حضن  عائلتي .. بين أهلي .. بين ناسي ….خرجنا من المطار …

و إذا بلفحة من الهواء الساخن تضرب وجوهنا …. تأفف الجميع من شدة الحر ..

أما أنا فسجدت سجدة الشكر على آرض المطار …. و و دعوت الله أن يحفظ هذه البلاد  و يديم النعيم على أهلها …

مشت بي السيارة إلى بيتي … كانت الشوارع مضاءة بأجمل المصابيح …

و كأنها ترحب بي ….. كان الطريق طويلا … غريبا … فبعد غياب ثلاث سنوات ..

لاحظت أن الكثير من التغييرات بنايات هدمت  و أخرى صعدت …

كل شيء بدا لي مختلفا لكنه مألوفا …

دخلت البيت … بيتي الذي عشت فيه قرابة العشر سنوات … بدا كبيت مهجور ..

بيت خفافيش … لا روح فيه و لا حياة … مخيف مظلم … مؤلم … لم يكن مرتب كما تركته ..

دخلت إلى غرفتي … بدت لي غريبة  … كل شيء لا يمت لي بصلة….

زجاجات عطري التي كانت تملأ الغرفة … كل شيء لم يكن لي …

كانت تعتريني مشاعر غريبة .. مختلطة ..

بين التمثيل بأنني سعيدة بدخول البيت و بشعوري  بعدم الانتماء للمكان الذي قضيت فيه   عشر سنوات ….

لم أستطع تفسير هذه النوبات من  مشاعر الغربة …. الغربة عن وطنك و عن بيتك …..

في بيتك و في وطنك …. و بين أهلك …

و للحديث بقية … في الجزء القادم

يوم الأحد

9\ 7 \ 2017

رؤى الكيال – مونتريال .

حقوق النشر محفوظة لموقع أهلا بكم في كندا

الوسوم
اظهر المزيد

Roua Kayal

أستاذة في الكيمياء - مدونة سورية من مدينة حمص - ناشطة إعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي - مديرة موقع آهلا بكم في كندا - مهتمة بأمور الهجرة و المهاجرين إلى كندا و كل ما يخص الاندماج في المجتمع الجديد الكندي .. آقدم نصائح من خلال تجربتي الشخصية في كندا .

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق