هذه قصتي

هذه قصتي ….الجزء الثامن ……

هذه قصتي ....الجزء الثامن ......

بعد نهاية الشهر الآول و بعد أن استقر وضع ابني في المدرسة .. بدأت رحلة آخرى …
رحلة الآوارق … قدمت آوراقي
لوزارة الهجرة الكندية حتى يتم فرزي لمدرسة لتعلم اللغة الفرنسية …
طبعا كل شيء كان جديد علي ..هنا آيضا .. لديهم روتين مقيت في عمليات استصدار الآوراق …
كل شيء ياخذ وقت …. لم آعتد على أمور الآوراق و معمعتها … كانت مهمة زوجي عندما كنت في أبوظبي ..
و لكن هنا … أنا وحيدة على أن أكمل كل شيء بنفسي …
لم أعتد أبدا على ارتياد المواصلات العامة لا سيما الباصات … كنت كلما ركبت الباص ….
آحس بآن جلمود صخر .. حطه السيل من عل ِ … دوما ترافقني فكرة الضياع ..
و آنني سآتآخر على موعد الرجوع لآبني …..
آتقصد دوما آن آجلس على الكرسي المنفرد … لا أريد أحدا بجانبي … و كأنها فوبيا من الناس …
أنظر في وجوه الناس أجد رحلة شقاء مكتوبة …. على وجه سيدة سمراء …
و مخطوطة آخرى منحوتة على رقبة ثمانيني … يبدو آنه من أصول أسيوية ..
في الباص وحده .. .. تستطيع آن ترى كل الوجوه التي لم تراها و لن تراها ما حييت ….ينقلب البصر ..
فجآة من الوجوه الى … الآحذية … آدقق في آحذيتهم … يبدو عليها القدم .. بل معظمها رث ….
يااااه هذه كندا التي كنت توعدين …. بعد أن كنت أملك أفخم السيارات الجديدة …. آجدني في كرسي باص …
آنتظر …في صقيع الشتاء … في صف قد يطول و يطول….
في كل مرة كنت آركب فيها المواصلات العامة ..كنت آحس بحالة من الاختناق … و الحنين لسيارتي …التي ..
قضيت بصحبتها آجمل الآيام .. على شاطئ الكاسر في أبوظبي … هنا لا يوجد سوى هذه الوجوه الملونة …
و الروائح الغريبة … هنا لن تجدي رائحة البخور تفوح … في كل مكان …هنا لا مكان للفخامة …
و بين تارة و آخرى كنت آشعر بآنني جئت لبلد فقير … وفعلا كنت آرى الفقر على وجوه الناس…
لم أرى آحدا تظهر عليه ملامح الدسم …تلك الملامح التي كانت تملآ كل المحلات و المقاهي في الحبيبة آبوظبي …
في كل يوم يمر علي كانت تزداد حالة المقارنة …. يمر اليوم كالشهر لا كالسنة … يا لطول اليوم في هذه البلاد …
واه وا ويلاه …ماذا فعلت … بنفسي …كل هذا لآني لا أحمل جنسية آستطيع .. آن آدخل بها آي بلد …
كل ما سوف آتحمله خلال السنوات القادمة من آجل جواز سفر … يخولني الذهاب للقاء الآحبة ….
لم لا أملك وطن … مثل أوطانهم ….. وطن يحبهم … محظوظون … الإمارتيون … يحبون بلادهم …
و تحبهم … أما …أنا .. فحبي من طرف واحد ….أه لو استطعت الآيقاع بتلك البلاد….
لو استطعت ان آثيرها بكل ما آعطاني الله من دهاء النساء .. بل من حسن النساء …
آردت الإيقاع بها مرات و مرات …لكن هيهات … هي عصيبة … موصدة ….لا يمكن لآحد آن يدخل ذلك القلب … …
لكن …الى متى سآبقى آعيش حالة هذه المقارنة …. لا عودة للخلف ….احتفظي بحبك في قلبك و في نفسك …
و افتحي ذراعيك لحب جديد ….ربما ستجدين ضالتك هنا….نعم …سآحاول …أنا لا أستطيع العيش …
بدون عشق ….. عشق لمدن تسكنني و آسكنها ………. سأحبها …. لابد من ذلك
…..في وحدتي هنا …و عزلتي … أصبحت صديقة نفسي … اكتشفت آنني صديقة لذاتي ….
كنت آقف آمام المرآة …. فترات طويلة …. أنظر …. إلى هذا الجسد المتآكل … كنت سعيدة …
بخسارة الوزن …. لكن لم أكن أدرك … أنني فريسة الاكتئاب … هذا المرض القاتل ….لا يبدو علي …
كل من يراني يرى ابتسامة و ضحكة … و سعادة تجلب الحسد ….و في قلبي أهات و آنات …..
على فقدان والدي …. لم يذهب عن بالي يوما واحدا …. كنت كل يوم آعيش معه في زنزانته …
و آحاول دفع الجلادين عنه … آبعدهم ….بكل ما آوتيت من قوة … ابتعدوا عنه … انه مريض …. لا تؤذونه …
افعلوا ما شئتم بي … لكن لا تقتربوا .. من أبي ….يعود أحمد … و مع عودته من المدرسة ..
علي أن أعيد رسم الابتسامة الصفراء على وجنتي …. و آن آكون آم طبيعية ….آجلس معه …
قليلا … ثم آعود .. لذاتي …أعود لمرآتي … لزنزانة والدي …..و يوما و يومان … بل شهر و شهران و آنا على هذه الحالة …. اعتزلت الكون بآجمعه ….كانت تروادني فكرة آن هذه البلد … جلب النحس لوالدي … نعم ….
كندا هي السبب .. في كل ما حدث لأبي ….آخلط الأمور .. و أؤمن بآشياء … لم تكن تخطر لي على بال ….
آفتح الثلاجة …. يا لله … لا يوجد .. خبز ….لا يوجد حليب …علي آن آخرج .. لشراء احتياجات المنزل ….
لكن آنت يا صغيري اجلس هنا في البيت … آرجوك لا تصدر آي صوت … يقولون في كندا ..
من الممنوع آن تترك الطفل تحت سن ال ١٢ سنة … في البيت وحيدا … و إلا …. سيآخذونك مني …
آرجوك … آجلس في زاويتك هنا … سآعود بعد قليل ….آلبس المعطف الثقيل … اللفحة و و القفازات ….
و اغطي كل ما ظهر من جسدي و كل ما بطن …
آخرج و آنا آجر عربة .. … و أمشي … و تمشي الآفكار السوداء في عقلي … ماذا لو آن ابني آصدر صوتا ….
ماذا لو آنني لم آعد …. ماذا لو عمل الباص حادث … ماذا لو مت …. سيبقى آحمد وحيدا … من سيهتم به ..
لا يا لله …لا تكتبها علي آرجوك …. آريد آن آموت بجانب زوجي … سآدفن هنا …. في الصقيع ….لن تتحلل جثتي …
سآبقى كما أنا …..آعود للبيت ….و آنفاسي تكاد تتقطع … آمسك بأحمد و آضمه و أبكي أبكي ….
و هو في حالة ذهول ما ذا آصابك يا أمي … آنا على ما يرام …… ثلاثة آشهر مرت كالعلقم …. استطعت خلالها ….
آن آقدم … لرخصة القيادة … ثلاث امتحانات نظرية و اخرى عملي …. آريد آن آقود سيارة …
لا يمكن آن آستمر في عملية حمل الآثقال … و المشي في هذا الصقيع …. درست … كتابين …
و كنت في كل يوم آتدرب على الامتحانات …. لا … لن آفشل … سآنجح …. وسيكون لي سيارة ….
لا يهم … حتى إن لم تكن جديدة .. المهم …. آربع عجلات .. آستطيع آن آقي ابني من برد الشتآء ….نجحت …
في امتحان القيادة … و آذكر آنني فرحت بشهادة السياقة آكثر من فرحتي بشهادتي الجامعية ….
هنا في كندا … هذه الشهادة … آول شهادة على المهاجر الجديد آن يفكر ..بها ….
فعلى سهولة التنقل و توافر المواصلات العامة إلا آن من لديه أطفال … فسوف يشق عليه .. التعامل …
و الخروج و الذهاب في ستة آشهر الصقيع … الحمد لله …. نجحت …. و كما هي عادتي …
قمت بنشر الخبر على صفحتي الفيسبوكية … كآنه خبر عاجل … من آخبار قناة الجزيرة …….
في نفس اليوم الذي حصلت فيه على شهادة القيادة ….كنت آريد آن آشتري سيارة ….
و آن آودع كل هذه الوجوه العجوزة …. لا آريد آن آراهم مجددا …. آرى فيهم …أبي .. أمي …
آشعر بالغيرة … منهم … نعم …. لماذا اختارنا الله لنذوق و نتذوق كل آنواع العذاب ….
لا يكمل منا الرجل ستين عاما .. إلا و تبدأ رحلة العد العكسي لديه .. أما هؤلاء ….
فهم في التسعين بل آكثر …لا بأس عليهم جميعا … بل يعيشون في قمة سعادتهم ….
و في صحة جيدة …تبدو عليهم ملامح الصحة …مع تقدمهم بالعمر …. حتى عمودهم الفقري …
مستقيم …. وآجسادهم رشيقة …ربما آكثر مني …يسمعون الموسيقى و يضعون الماكياج …
و لا يحرمون آنفسهم من جلسات المناكير و البادكير … و آمهاتنا هناك في العالم العربي …
يجلسن … في مطابخهن … يحضرون … مونة الشتاء في الصيف … لا يعرفون آي متعة …لا شيء يشبهنا….
و بعد مرور ثلاثة آشهر و نيف .. قامت الكولج بارسال رسالة ..
تقول فيها آن الدوام في برنامج اللغة الفرنسية سيبدأ من الآسبوع القادم ….. كنت في قمة السعادة ….
ليس لأنني سأتعلم الفرنسية … لا .. هذه اللغة التي لم و لن آقع في غرامها .. ما حييت …
لكني سأتعلم مرغمة …. لا خيار لي …. على الآقل استطيع آن آخرج قليلا من زنزانة أبي ….
وآبتعد قليلا عن مرآتي … سآتعرف على آصدقاء جدد …. سيكون كل شيء مختلف …. على الآقل …
سآرى مرة آخرى السبورة .. سآجلس في صف …. الصف … ذلك العشق الأبدي الذي يكمن في داخلي …
سآقبل آن أكون طالبة مرة آخرى …
التحقت بكورس اللغة الفرنسية المستوى الآول و لحسن حظي كان معي في الصف الكثير من المهاجرين المصريين
مما سهل لي عملية التواصل … الله آخيرا هناك من يتكلم العربية … تعرفت على مجموعة لطيفة جدا …
و بدآت أدرس بكل جدية … بدآت السعادة تطرق باب قلبي مرة آخرى … نعم ..
هذه هي الآجواء التي آحب الناس الآصدقاء .. الآصحاب …. كل منا … لديه قصة … و لديه آلف سبب للهجرة ….
كنا نجلس في فسحة الغداء ….اجتمعت آراء الجميع … آن لا مكان لنا .. الآن في الدول العربية …
و آننا الدول العربية لن تكون المكان الجيد … ليعيش فيه آبناؤبنا …..كل الآصدقاء … من جميع الدول ..
من العراق و الشام و مصر و كمبودجيا و ايران من الصين … من دول لآ آعرفها … سوى على الخريطة ….
الكثير من الوجوه … تجمعها دولة واحدة … على اختلافهم فهم منتظمون .. يحكمهم حاكم عادل و قانون …
واحد يسري على الجميع …. انظر الى الوجوه … كلهم مهندسين و آطباء آستاذة و ممرضين ….
و الكثير الكثير من اصحاب الشهادات العليا … التي جاءت بخبرتها … لتصطدم بواقع … عدم الاعتراف ….
بكل ما جئتم به من آوراق .. عليكم … آن تقوموا بالمعادلة و آو آعادة بعض السنوات ….
لم يكن الجميع سعيد … بفكرة المعادلة … كل واحد منهم .. جاء و يحمل معه حلما ….. طوى الحلم …
و جلس على مقعد الدراسة .. .. ليتعلم النطق …عليك آن تؤجل حلمك … آو أن تهذبه…هنا … ليكون … حلم …
مقدور عليه …
نجحت في المستوى الآول و انا لازلت ..لا آنطق سوى بعض الكلمات في الفرنسية .. آما هؤلاء من آصول لاتينية ..
كانو يتكلمون و بطلاقة .. آصابنتي باحباط …. لماذا لا آستطيع الكلام …و انا جيدة ….
لم آكن على احتكاك كبير بهم في المستوى الآول ….قلت لزوجي … لم آحب اللغة الفرنسية …
لا آريد البقاء في هذه المقاطعة … آريد … آن انتقل .. لمدينة انجليزية …. هناك في لندن آونتاريو …
حبيبتي خلود صديقتي و خليلتي .. و صاحبة كل الآيام الحلوة … سآكون بخير بقربها ….
قبل زوجي بالفكرة على مضض …. فلا زال الحلم الفرنسي … في باله …
و لازالت فرنسا قبلة لآهل المغرب العربي … يشعرون بالنقص .. اذا لم يتحدث آطفالهم هذه اللغة …
و كآنني آصبته في الصميم .. لكن لا خيار لديه … فحالتي الصحية … سيئة جدا …
وحالتي النفسية تكاد تفتك بي ….سأخذك الى خلود … ذهبنا الى مدينة لندن آونتاريو و جلسنا هناك حوالي الاسبوع .. اقترح زوجي آن نكتشف المدينة و نرى .. امكانية الاستقرار فيها و بعد جولة لعدة آيام في المدينة …
عدت الى مونتريال آجر حبال الخيبة …. لا .. ليست المدينة الجميلة التي اريد .. انها اشبه بغابات مترامية الاطراف …….
لا لا …عدلت عن رآيي سآبقى هنا …. بدآت التعود على هذه المدينة مونتريال آجمل …..
سآعطي هذه المدينة فرصة آخرى …..ربما تستحق…..
رؤى الكيال ..
مونتريال ..
١٠ \ ١١\٢٠١٦
حقوق الملكية و النشر محفوظة …
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق