هذه قصتي

هذه قصتي – الجزء الثاني

هذه قصتي - الجزء الثاني


قصتي كما سبق و قلت لكم … استلمنا الفيزا بعد خمس سنوات من الانتظار الطويل ..
في هذه الفترة و بعد انقطاع الآمل عقدنا القرار على الاستقرار في تونس …
لم نكن على استعداد مادي للسفر لكندا .. لأن مدخراتنا التي كانت بحوزتنا
قد تصرفنا بها لتهيئة أنفسنا للعودة و الاستقرار في تونس في الأعوام القادمة …
لكن الفيزا الكندية تجبرنا و خلال ستة آشهر آن نقوم بعمل Landing

أذكر أنني كنت قد حزمت حقائبي لأقضي إجازتي السنوية في تونس … و لكن …
بحكم ظروف عملي أنا و زوجي .. الوقت المناسب لنا للسفر هو في الصيف و خلال إجازتنا السنوية …
دخل زوجي تلك الليلة .. لبيت أختي حاملا معه جوازات السفر عليها الفيزا الكندية مبشرا لي ..
لا أنكر أنني قفزت من الفرحة .. لكن سرعان .. ما بدأ قلبي بالخفقان …لا لا.. لا أعرف ..
تشابكت كل الأفكار في ذهني .. و لكن زوجي دائما عقلاني و يعالج كل شيء بحكمة ..
قلت له خائفة …و كيف سنسافر … ونحن استنفدنا كل شيء تقريبا في مشروعنا في تونس….
قال لي .. لعل الله يجعل لنا مخرجا …
في عام ٢٠١٠ استقليت الطائرة التركية في طريقي لتونس …
و بعد يومين من مكوثنا في تونس توجهنا عبر الخطوط المغربية الى مونتريال …
تواصل زوجي مع أحد الاصدقاء الجزائريين و طلب منه أن يستأجر لنا بيتا وأن لا تكون قيمته غالية
لأننا لا نملك الكثير من المال لصرفه .و بالفعل قام صديقنا باستقبالنا في مطار تريدو مونتريال…
و ووصلنا للشقة المفروشة …وصلنا الساعة الثالثة صباحا …
لم آرى و أنا على طريق المطار ملامح هذه المدينة ..
استيقظت في الصباح الباكر لأجد نفسي في حالة من الغياب عن الوعي .
شقة صغيرة .. خشب أثاث يبدو قديم …خرجت للبلكون .. لم أرى إلا حبالا من الغسيل المنشور …
بدى لي كل شيء غير مألوف و بعيدا كل البعد عن كل ما توقعته …
آتذكر آننا كنا في ذلك الوقت في رمضان … بدآنا مرحلة إعادة ترجمة الأوراق و بدأنا بالتقديم لمعادلة الشهادة ..
آخذت منا هذه العملية عدة أيام …
كنا نصعد في باص و ننزل في آخر و في كل مرة أرى وجوها غريبة لم أعتاد عليها .. …
كنا نعلم تماما آننا سنعود الى الامارات و تقضي ما تبقى لنا هناك و ننهي كل التزاماتنا المادية و نعود لكندا بعد عامين …
و رغم كل محاولات زوجي لرسم الابتسامة على وجهي و اقناعي بتقبل هذه المدينة ..
لم أقع في حبها … لم يكن شيئا يدهشني .. كنت أريد العودة إلى حبيبتي أبوظبي …
مكثنا حوالي خمسا و عشرون يوما .. حبست نفسي في الشقة ..
و لم أخرج و رفضت حتى الذهاب الى الحديقة الجميلة القريبة من البيت ….
كنت أشعر بانني لن أنتمى لهذا المكان ..
كان زوجي يرافق ابني الى الحديقة .. أما أنا فكنت آجلس آمام هذه النافذة الصغيرة …
و انظر الى المطر … حتى المطر .. هنا غريب … خيوط من السماء و عواصف و رعد و برق ..
و آصوات من السماء … تخيفني .. لا .. لا .. لن أبقى .. و لن أعود …
صحراء أبوظبي و العين … أجمل …بكثير …كمية الأمطار التي كانت تهطل كانت ترعبني …
و بدون مبالغة .. كرهت حتى المطر ….لماذا علي أن أترك الشمس ..
لأعيش في بلاد اسبوعان غيوم و أمطار و نحن في وسط فصل الصيف ..
حان وقت العودة … لتونس ..كم انتظرت هذا اليوم …
اتفقنا مع آحد الأصدقاء أن يقوم بإرسال بطاقات الاقامة لنا ..
في تلك الفترة كان جارتي الجزائرية التي تعرفت عليها هي من تخفف علي سواد تلك الأيام ..
كانت لطيفة جدا و راقية في التعامل …
و كنت أحس بفرحها عندما كنت آبادلها آحد الأطباق الرمضانية ..
و هي أيضا استضافتنا ..
زوجها كانوا يسموه المدير .. سألته لماذا الكل يقول لك المدير و لا يدعوك باسمك ..
قال لي لآني آقوم بمساعدة كل القادمين الجدد و اعطيهم عنواني قبل الوصول الى آن يستقروا في عناوينهم الجديدة ..
وصلنا مطار كازبلانكا …وطارت الطائرة .. و كان علينا آن ننتظر مدة ٢٤ ساعة في المطار …
كنا تقريبا حوالي عشرون مسافرا تونسيا …دخل جميع المسافرين التونسيين الى كازبلانكا .. إلا أنا …
تركني زوجي مع ابني على أحد المقاعد … كنت أنظر الى عيني أحمد و أضمه بشدة و أقول ..
لماذا عليك آن تعاني معنا يا صغيري .. كانت عيناي ترمق زوجي عن بعد ..كان مكفهرا و تبدوا عليه ملامح الغضب ..
يذهب يمينا و شمالا …
حملت ابني على كتفي و مع حقائبي و مشيت ببطء الى آن وصلت الى زوجي . ماذا حدث ..
قال الضابط في المطار .. لا تستطيعي الدخول للمغرب بدون فيزة لأنك سورية .. آما زوجك و ابنك فآهلا و سهلا بهم …
قلت له و لكن كيف سآقضي آربع و عشرون ساعة في المطار قال لي يوجد فندق المطار ..
و لكن ان كنت محظوظة … ستجدين لك غرفة .. قلت لزوجي .. هيا .. لا خيار ..
أحمد سيموت من العطش و لا يوجد حتى جهاز لشرآء الماء ..
دخلنا فندق المطار و طبعا لحسن الحظ وجدنا غرفة …دخلت الغرفة .. كل شيء غير نظيف ..
سرير لا يكفي سوى شخص واحد شرشف متسخ .
غرفة آشبه بزنزانة صغيرة جدا لا يوجد فيها سوى سرير و تلفزيون سمين معلق في السقف لا يعمل ..
في هذا الوقت انفجرت بالبكاء .. ذهب زوجي لتآمين بعض الماء و بعض السندويش لصغيري ..
لا لن آسكت .. صرخ زوجي .. آخذ حقائبنا مرة آخرى و صعد بنا الى موظف الهجرة ..
قال لا يمكن آن ننام في هذه الغرفة ..الغلط من الطائرة المغربية التي لم ننتظر عشرون راكبا ..
و صرخ و دوى صوته كل المطار … و آنا آحاول تهدئته ..مازحة ..
لو كنت متزوج تونسية ما كنت تعرضت لكل هذا الشيء ..
بعد حوالي ٧ ساعات توصلنا الى اتفاقية الى آن يتم حجز جواز سفري عند مكتب الهجرة
و آن يسمحوا لي بالمرور فقط ليوم واحد و على آن آكون في السادسة صباحا في مطار كزابلانكا …
خرجنا من المطار الى آقرب فندق .. ما يسمى ٤ نجوم … لكن شتان و شتان …
أذن المغرب و قمنا بالفطور .. ذهب ابني و زوجي للنوم ..بعد عناء طويل ….أما أنا فنزلت الى الحديقة ….
جلست على آحد الكراسي .. أفكر …ياااااه … فقط لأنني سورية ..علي أن أمر بكل هذا …..
كنت على حالة من القلق .. و سواس قهري يلازمني بآنهم سوف يضيعوا جوازي السفر..
و بآن رحلة آخرى من العذاب تنتظرني …
كنا في الساعة السادسة تماما في المطار ..و ذهبت للمكتب الذي تركت فيه جواز سفري …
لكن المكتب كان مغلق و فارغ ..
يا الله … آرجوك لا آريد المكوث ليلة آخرى … كلها زنازين بالنسبة لي ..
انتظرت في حالة البحث عن جوازي السفر حوالي الثلاث ساعات و علي آن آعيد و آشرح للموظف الجديد …
عن قصتي …كنت آحس بنظرات موظفين الهجرة بالشماتة و التشفي .. لم يكن آحد منهم لطيفا و محترما …
صعدت الى الطائرة اخر واحدة …و الى تونس…. وصلت لتونس .. و كانت بالنسبة لي آرض الميعاد …
كم آحب هذه الآرض و كم آعشقها … بعد يومين … آخذنا الطائرة … و عدنا الى آرض الوطن ..
أبوظبي .. بعد أسوآ رحلة في العمر … عندما خرجت من مطار أبوظبي .. سجدت شكرا لله …
لن آخرج من هنا .
هنا آرضي .. هنا وطني .. هنا عشقي ….كل ما في داخلي كان ينطق … بحب هذه المدينة …
لم أشعر يوما بالغربة فيها …
عدت و في رأسي ألف ألف سؤال …دخلت بيتي … قبلت كل شيء فيه … لن أتركك مرة أخرى …
للقصة بقية ….
رؤى وليد الكيال
٢٩\١٠\٢٠١٦
مونتريال
حقوق الملكية و النشر محفوظة .
الصورة الآولى مدينة سيدي بوسعيد التونسية الجميلة
في صورة الجرة يظهر بيت عائلة زوجي رحمة الله عليهم … في مدينة نابل الحمامات تونس
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق