هذه قصتي

هذه قصتي … الجزء الحادي عشر ..

هذه قصتي ... الجزء الحادي عشر ..

كانت أعلى صرخة لي في عنق شجرة القيقب …..
لازال هذا المشهد حي في ذاكرتي طوال ثلاث سنين متتالية …
لازلت أذكر وعدي لطفلي بأنني سأكون له أما سعيدة سأكون كما يحب … …
عدت للكولج ( الكلية ) بنفسٍ جديدٍ …… لم أتغيب قط يوما عن دروس اللغة كنت أخرج صباحا من السابعة
و أعود في الخامسة أكملت على ذلك المنوال تسعة أشهر متواصلة قضيت فيها أجمل أيامي هنا في كندا ….
أما صديقي الأعمى فكان هبة السماء لي… بل قدرٌ جميلٌ ساقهُ الله ُلي ….
كلما تعثرتُ قليلا ًو ضاقت بي نفسي من هذه اللغة اللعينة قام بتشجيعي قائلا ستستطيعي الكلام عليك المحاولة فقط ….
– أشعر أني أتلعثم بنطق بعض الكلمات!
– لا يهم المهم ان تستمري بالحديث تكلمي.. انطلقي.. حلقي …و أنا سأساعدك …
صديقي يحسن لغة الحوار و هو متكلم من الدرجة الأولى …
في الكولج كنت عكازته التي يتكئ عليها فبسبب ضخامة قامته …
كنت أخشى عليه من السقوط أو التزحلق عند الدخول و الخروج …
كان يمشي بجانبي و يضع يده على كتفي و كأنني عيناه التي فقدهما ….
لطالما حاولت التهرب من سؤاله عن حادثته….
– اسمعيني جيدا انها فرصتنا في المحاولة للتغلب على عثرات اللغة ..
– سأستخدم قاموسي الالكتروني و سأكتب الجملة التي اريد أن اقولها باللغة الانجليزية
ثم أترجمها الى الفرنسية فإن لم تفهمها سأحولها للإسبانية ربما سننجح بهذه الطريقة …
و بالفعل كانت هي الطريقة المثلى للحديث عن اَي شيء و لساعات طويلة …
في بعض الأحيان كان ينفذ صبري لكن لا خيارات لدي فاصدقائي العرب أتكلم معهم العربية بشكل تلقائي …
هي فرصة لاستغلال الصداقة في شيء مفيد …
تعلمت منه الكثير عن حضارة المايا و سكان أمريكا اللاتينية دولهم ثقافتهم ،…
فقرهم و طريقة حياتهم … صديقي مغرم بالتاريخ و قصصه ..
يحب الاهرامات و كليوباترا بل حتى اوغاريت من أين لك بهذه الثقافة؟ ،…
قبل ان افقد بصري كنت اقضي جل وقتي في قراءة كتب الفلسفة و التاريخ و الأديان كل الأديان …
صديقي يُؤْمِن و لكن بإله مختلف يسميه إله الحب و النور … إله السلام … لا يُؤْمِن باله العذاب و لا بإله النار …
الهي عظيم … يعطيني نعمة الحلم … نعم انا احلم …
و في الأحلام ارى كل من حولي اما انت فتشبهي زنوبيا ملكة تدمر …انا اراكم جميعا و أعرفكم …
هل حقا ما تقول ؟ نعم عندما ألمس الوجوه فإن مخيلتي تقوم برسم صور لكل ما ألمسه …
لكني أكثر حظا منكم فأنا أستطيع ان الون شعرك في كل صورة الْيَوْمَ مثلا اريد ان ارى صورتك بشعر غجري أحمر
غدا أقوم بتلوين عيناك لا تخافي سأكون حريصا على عدم غرز الألوان فيهم اعرف كيف آرسم العيون ..
بل آتقن رسمها بكل الآلوان …. اعرف تماماً كيف اعيش في قصري … قصر الظلام …
كل ما فيه سواد بسواد و بعض الهياكل التي تتحرك امامي ..
و أذنان كبيرتان تستطيعان تمييز خطواتك و خطوات ياسمين ووسيليا ..
كنّا نتحدث … نثرثر … نقوم بحل الواجبات سويا ” بعد أن ينتهي الدوام نجلس ساعة في كافيتريا الكلية ….
أقرأ عليه الأوراق و يقوم هو بالاجابة … كثيرا ما كنت أخطئ …
أما صديقي فقد أعطاه الله موهبة الحفظ فهو يستطيع أن يحفظ أي شيء تقرؤه عليه لمرة واحدة …
نادرا ما كان يخطى ء …..لا أنسى الْيَوْم الذي طلبت مني المعلمة ان أساعده في التعرف على خريطة مونتريال …
وضعت الخريطة على المقعد …
و طلبت من سايكو اليابانية ان تنضم للفريق لأني خفت ان لا أؤديه بالشكل المطلوب …
هذه خريطة مونتريال ، هنا الشرق و هذا الغرب و ذلك الشمال و من الأسفل الجنوب ،
تنقسم مونتريال الى شطرين حيث يقطعها نهر سان لوران …
يمر شارع جان تالون من أقصى الشرق لاقصى الغرب ..لدينا اربع خطوط مترو و استمر بالشرح …
أما أنا و سايكو فتحنا فمنا من الذهول … كنت أقول لها بلغة العيون هل يعقل انه أعمى ..
إنه يحفظ الأرقام بل حتى اسماء الشوارع …
يضع إصبعه على الخريطة ويقول هنا محطة أوكام هذه هي المحطة الرئيسة
أما أنا فأبحلق في الخريطة لأجده ثغرة في كلامه لكن عبث أعطاه الله من البصيرة بل انه معجزة …
هو محلل نفسي و صديق للجميع ان تشاجرت احدى الصديقات مع زوجها تأتي اليه و تبكي يحضنها بدفء
و يحاول تهدئتها يساعد الجميع …خفة دمه جعلت جميع الفتيات يحبون الجلوس حول طاولته …
كنّا في كافيتريا الكلية نجلس ع طاولة طويلة … يجلس دائما على رأس الطاولة كزير النساء …
تلتف حوله الكثير من الفتيات و النساء و تعلو ضحكاتنا و قهقهاتنا كانت المجموعة جميعها من أصول لاتينية ..
اما أصدقائنا الشباب كانوا ينظرون اليه بنظرة فيها غيرة و استغراب…. فكيف لهذا الضرير .. السمين ..
كيف له انه يلم حوله هذا الكم من النساء سيليا ، ياسمين ، جينا السمراء الكولومبية التي كان يدعوها بالشوكولاتة…
كانت تشعر بالانتصار على جميع منافستها عندما يناديلها بالشوكولاته… …
آما آنا فكنت اجلس و انا اسمع نقاشات المجموعة باللغة الاسبانية و رغم عدم فهمي اضحك لضحكاتهم ..
انا كنت طفلته المدللة كل الفتيات اللواتي كن يعرضن عليه المساعدة لشراء قطعة حلوى
أو علبة عصير كان يرفض و يقول سترافقني رؤى … فرؤى عيناي التي أراكم بها … كنت أصف كل شيء له …
ألوان الناس اشكالهم ألوان الشجر أشكال الأوراق و الزهور … الورود … صديقي مغرم بصناعتها …
يصنع من بقايا الأوراق زهورا … في كل يوم يهدي زهرة الى احدى النساء في المجموعة …
حتى فلومينا معلمتنا أعطاها وردة … اما انا فكان من نصيبي الباقة
حتى ان فلومينا غارت و قالت لماذا تهدي الجميع وردة و تهدي رؤى ثلاثة ….
تبا يحسدونني حتى على بوكيه من الورود الورقية ..
لا املك في هذه المدينة سوى هذا الصديق انه أبي أخي كل ما فقدته …
كنت انظر في عينيه اللتان تغزلان حبا للجميع و أقول يالله لماذا كتبت عليه هذا القدر … اعرفه جيدا فرغم كل ما يبديه من سعادة و قدرة على التعايش بِعِلّتِهِ إلا أن في داخله بحر من الحزن و الحسرة …
قال لي يوما في لمة عائلية جمعت الصغار و الكبار …
كنت اشكي من كندا و اتشكى من هذه الحياة الجديدة بكل ما فيها … نادى لاحمد …
و نادى فرناندا … قال لي اغمضي عينيك … أغمضت …ضعي يدك على وجه أحمد … وضعت …
افتحي عيناك …فتحت قال هل تدركين النعمة التي انت فيها .. انت تعرفين ملامح ابنك …
اما انا ففي كل يوم أعيش صراعا مع تلك المخيلة التي سعتها السماء و الارض
في كل يوم احاول ان احدد من ملامح فرناندا الصغيرة … و اتخيل أميرتي و نور قلبي …
فرناندا بالنسبة له هي الحياة هي النبض هي كل شي … فقد ولدت على يديه و تربت في حضنه ..
كان عمل زوجته في الليل فبعد مرور شهر من ولادة فرناندا وجدت عمل خارج المدينة و بأجر جيد ..
تركت فرناندا معه و عمرها شهرين … قال لي كنت حتى لا تقع و لا تؤذى أحضنها بين يدي و لا اتركها حتى تعود أمها …
كنت أتنفس زفير فرناندا .. كبرت هنا و أشار الى صدره … انا من علمتها المشي خطت معي اول خطواتها …
تخرجنا من الكلية…. و أكملنا معا الشهادة التي يجب ان نقدمها عند الجنسية
شهادة الاندماج في المجتمع الكيبيكي كنت في قمة السعادة فهي اول شهادة لي في كندا
و على بساطتها فهي مهمة عند التقديم للجنسية … كان حفل التخرج بسيط بعيدا عن فخفخات حفلات التخرج
في بلاد العرب .. كل طالب يأتي بطبق من بلده … تنوعت الاطباق كتنوع البشر …
كان عندي فوبيا من ان اجرب اَي شيء جديد لاسيما ان كان شيء يخص الطعام …
لكن لا بأس من التّذوق الله انه لذيذ طبق كولومبي يقوموا بتحضيره من الذره و يلفونه بأوراق الذرة …
هنا في هذا المكان جمعتنا ضحكاتنا صرخاتنا و قهوتنا … لن أنساك …
خرجنا من باب الكلية و في قلب كل واحد فينا ذكرى …. أما شجرتي كانت تنظر الي و كأنها تناديني لعناق اخير …
ربما لن أراها مرة اخرى …اقتربت منها و عانقتها بقوة ونظرت بداخلها وضعت وردتي الورقية و
و قلت لها سيأتي إليك سعيد حظ آخر .. أو ربما عشيق يبحث عن هوى جديد …
قبلتها و عدت أدراجي و أنا أحمل في ذاكرتي كل اللحظات بحلوها و مُرها في عامي الاول في بلاد المهجر …..
رؤى الكيال
مونتريال 1/12/2016
حقوق الملكية و النشر محفوظة
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق