أحدث المواضيعهذه قصتي

هذه قصتي الجزء الخامس والعشرون

بين العمل و الجامعة

رؤى الكيال – مونتريال

هذه قصتي الجزء الخامس والعشرون …..

الله …. اشتقت كثيرا لنفسي و اشتقت كثيرا لمفاتيح حاسوبي .. وموسيقاها عندما أكتب..

أعرف لحن كل حرف أنقره …كانت الفترة الماضية بالنسبة لي  فترة عصيبة   في حياتي…

فقد كنت مخيرة بين أن أترك العمل لأكمل الدراسة. أو أن أترك الدراسة   لأكمل فترة تدريبي بالعمل

… لكني و كالعادة .. اخترت الطريق الأصعب سأكمل الجامعة و العمل معا …. نعم … أستطيع …أنا قادرة

أن أقوم بأكثر من مهمة بوقت واحد …. كل ما هو مطلوب مزيد من الجهد … لا بأس إن قصرت قليلا في

آمور المنزل …. سيمر  الوقت بسرعة ….كنت في حالة من الصراع اليومي بين تأمين حاجات بيتي و ابني

و بين ذهابي للعمل و محاولة التركيز  فيما يقوله  المدرب لي … و بين التحضير للمشاريع وتقديمها للأساتذة

في الوقت المحدد … لم أعط كل المواد حقها في الدراسة  ففي هذا الفترة تحديدا لم يكن هدفي التفوق

..كل ما كنت أريده النجاح في المواد التي درستها … و بما أن الكورسات كانت مقسمة بين  اللغتين الإنجليزية

و الفرنسية .. فقد.. كان جل تركيزي على اللغة الإنجليزية لأنها هي الأساس في العمل و لأن التخرج سيكون

في هذا الفصل أما اللغة الفرنسية فالشهادة أستطيع أن أكملها في الشتاء القادم ….و بين هنا و هناك مرت

الأيام  ببطء شديد .. اليوم كان يمر كالسنة برغم سرعة نبضه  أستيقظ في الصباح الباكر … أمسك القلم

و  أتوجه إلى أجندة التواريخ و المهمات التي ألصقها أمام مكتبي ..  أشطب يوما انتهى … و أعد الباقي من الأيام

…. .. كانت  مشاعري مختلطة جدا .. فرغم  رغبتي الشديدة بالعمل  لأسباب تتعلق ..  بتقديم أوراق لم الشمل

لزوجي….إلا أن رغبتي في إكمال الدراسة .. كانت توازي ذلك الشعور بالرغبة بالعمل …

أما زوجي فلم يكن سعيدا  بخبر العمل ، كان يصر على أن أكمل الدراسة إلى أعلى

المراتب…يشد من أزري لأكمل  دراسة اللغات ويشجعني على أن  أتخصص بها …

أجده مغموسا في حاسوبه يكاد رأسه يدخل في الشاشة … و بدون مقدمات … ولا

كلمات حب و لا اشتياق . يقول .. وجدت لك برنامجا دراسيا تستطيعين أن تكملي به

الماجستير و الدكتوراه فيما بعد … ينسى   أحيانا أنني  امرأة … أو ربما  يتناسى …

عن طيب نية …

تسرقنا الليالي و نحن نتحدث في ظلمة الليل … و بين فارق  توقيت أقرب إلى التسع

ساعات ….أنظر في عينيه فأرى دموعا محبوسة …ينظر إلى … في لحظة صمت …مابك ؟

لا عليك .. أكمل ..الحديث أنا أسمعك .!!!

-لست مع العمل .. فأنا أفضل آن تكملي الدراسة و  تواصلي ….أنا سأقوم بدفع التكاليف ب

ل و دعمك النفسي و المعنوي و المادي … كل ما تحتاجيه .سأقوم به … لا تقفي … استمري…

  • لا يمكن أن أستمر على هذا الحال … أريد أن أستكمل أوراق لم الشمل  تعبت من الوحدة  … تعبت من عد

الأيام و الشهور .. عندما أكلمه أحاول التغاضي عن تذكيره بأننا لم نرى بعض منذ سنتين ….فهو لا يملك أوراق

الدخول إلى كندا بعد أن فقد الإقامة الدائمة بسبب عدم مكوثه المدة المطلوبة .. و أنا فقدت إقامتي في الإمارات

بسبب تأخر  السلطات الكندية بإصدار الإقامة الكندية الجديدة …و فوق كل هذا .. انتهت صلاحية جوازي السفر

… و حتى إن جددته  فقوانين الشركة التي أعمل بها .. لا تسمح لي بأي إجازة قبل إكمال عام أقل معدل  …..

يعني على قولة عبد الحليم .. طريق مسدود مسدود …

لكني على  أمل .. أن نلتقي في هذا الصيف بعد طول انتظار .. فقد تقدم بطلب فيزا زيارة سياحية ….و أتمنى

من الله  قريبا أن أحصل على الجنسية  الكندية …و أتحرر من عقدة  الجواز السوري …

الحلقة المفقودة في هذه الفوضى ..  ابني الوحيد  … فعلى الرغم من أنه وصل لعمر يعتمد به على

نفسه بشكل كامل إلا أن الشعور بتأنيب الضمير و بأنني أتركه فترات طويلة بالبيت وحيدا  لم يكن يفارقني

.. هذه الحرقة التي تعتصر القلب .. عندما أخرج من العمل  ذاهبة إلى الجامعة …. هناك غصة تطغى

على  أي لحظات سعادة .. يمكن أن تتسلل إلى يومي .

الشيء الوحيد الذي كنت أفكر به … ماذا أفعل .؟؟؟.. و لماذا كل هذا اللهث وراء الجامعة و الدراسة و العمل

..و العلاقات الإنسانية .؟؟؟.. أفكر  في هذا و ذاك …. أساعد هنا …و أتطوع هناك … و هذا الطفل …

ألا يحتاج إلى رعاية … و اهتمام… ووقت ..!! .. أعترف … أني مقصرة  في حقه   …جئت لكندا لأجل ابني

لأن أؤمن له مستقبل أفضل … لأن أكون بجانبه …. لأقضي وقتا معه … لكن كل ما كنت  أحلم به من قضاء

وقت جميل مع ابني و الاستمتاع بالأنشطة و مشاركته ما يحب … ذهب في مهب الريح .. فبعد يومي الطويل

في العمل و الجامعة أصل إلى  البيت حوالي الساعة العاشرة مساء…..ماذا يمكن أن أقدم لابني …

غير وجبة سريعة أشتريها في طريق العودة … و قبلة  على جبينه قبل النوم … يمسك بي بقوة ..

يعانقني …. يقول .. ماما اشتقت إليك .. .. أتماسك .. أتظاهر بالقوة .. .. أريد أن أكون أما قوية ..

لا أحب نموذج الأم الضعيفة .. آبدا ..  أعانقه … أمسح على شعره قليلا …. أهمس في آذنه : (  هي الحياة

إما أن تغلبك أو تغلبها … هناك وقت يا بني ..في عمرك ستقضيه … في السعي … وراء هدف  أو حلم أو حقيقة   )

كل ما أقوم به .. الآن.. هو فقط لأجلك وحدك أنت … فأنت كل ما أملك في هذه الحياة …و كل ما سنحصده في

السنوات القادمة …هي نتيجة  تحملنا لهذه الأيام و طولها  .. سأزرع السعادة  في كل طريق تمشي به

ستدرس في أفضل الجامعات في العالم و سيكون لك شأنا كبيرا … انظر ماذا كتبت اليوم لك على

سبورتك ….اقرآ هذه الجملة  في كل يوم … “سأكون من الأشخاص الذين سيغيرون العالم “….

هكذا أراك و هكذا ستكون….أضع يدي فوق عيونه …  أغمضهما جيدا …و أتسلسل إلى الصالة

أفتح باب الشرفة … أستنشق الهواء … و أبكي…. آنا  من اشتقت لك يا حبيبي ….

ثم ألملم دموعي … و أتذكر قصة تقول بأن أحد ملوك الهند  سأل وزيراً  له بأن ينقش على خاتم

له جملة إذا قرأها و هو حزين فرح واذا قرأها و هو سعيد حزن , فـ نقش الوزير:” هذا الوقت سوف يمضى.”

هذه الجملة هي بمثابة المخدر لي .. أرددها دائما … هذا الوقت سوف يمضي نعم …

سوف يمضي .. و سنمضي معه …

نسعى  في هذه الحياة . .. نلهث وراءها…. نخطط … نحلم … نبني بيوتا من ورق … نرسم

على جدران المنازل … أحلامنا الوردية…..  نمضي في طريق المستقبل المجهول  أحيانا … نغامر

.. … بل نقامر … فقرار  الهجرة و التغيير مقامرة حياة … إما أن تصيب و تنجح بها و تتجاوز كل

الصعوبات التي واجهتك في السنوات الأولى أو أن تستلم  لتلك الذاكرة … و تعود  من حيث أتيت

… تجر ذيول الخيبة …. و تسعد الشامتين … والحاسدين  المتربصين ..

هنا في دول المهجر ..  عليك  أن تتماسك …. أن تكون قويا …. أن تتشبث بالفرص ….

بل و تحاول التقاطها ….. عليك أن تعلم نفسك على مقاومة كل مشاعر الحنين … الحنين لكل

تلك التفاصيل الصغيرة … الحنين لقلم .. كتبت به يوما … لحبيب  كان يمر  كل يوم من تحت نافذتك

الحنين لسندويشا ساخن من الفلافل التي كنت تشتريها في كل مرة تمشي بها في شارع

الغوطة بحمص … آو على كورنيش أبوظبي …. آو قهوة لذيذة  في ليلة من

ليالي قرطاج ….ستعيش عذابات  الفراق … و الذكريات … لكن. بعد فترة

ستكتشف ..  .. بأن قساوة الطقس  و برودته … حلت عليك

ستنسى كل الذي كان … و تحدق فقط … بمستقبل أبناءك….

و ترى فقط  من  هذه الزاوية…..

ستكون أغلى الأمنيات …أن تراهم يقفون على المسرح .. يرتدون ذلك الثوب الذي حلمت

أن تلبسه يوما ….و تلك القبعة المربعة …. ستكون هذه أغلى أمنياتك التي .. تدعو الله في كل ليلة .. أن تتحقق ..

 

الثلاثاء ١٧ ابريل ٢٠١٨

حقوق النشر محفوظة لموقع أهلا بكم في كندا

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

Roua Kayal

أستاذة في الكيمياء - مدونة سورية من مدينة حمص - ناشطة إعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي - مديرة موقع آهلا بكم في كندا - مهتمة بأمور الهجرة و المهاجرين إلى كندا و كل ما يخص الاندماج في المجتمع الجديد الكندي .. آقدم نصائح من خلال تجربتي الشخصية في كندا .

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق