هذه قصتي

هذه قصتي الجزء الخامس …..

هذه قصتي الجزء الخامس .....

قصتي بعد سفر والدي إلى حمص .. كان في قلبي غصة ..كيف لي آن آعيش بنعيم الأمان ..
و عائلتي هناك لا تنام من أصوات المدافع و تراشق الهاون …كل شيء كان جديدا علينا …
لم نعش آجواء الحرب من قبل …ياويلي .. مالذي اقترفته يدانا لنذوق كل أنواع العذاب …
و نتذوق كل طقوس الموت …شرفاتنا المتدلية بالياسمين … أصبحت خاوية ..
إلا من صدى المأذن و أجراس الكنائس …دخل الموت حياتنا … كضيف ثقيل …دخل في كل بيت ..
في كل شارع و في كل فج .. لم يترك زاوية من زوايا مدننا إلا و قطف منها آجمل آزهارها ….
كان يمسك بمعوله و يحصد …هذا طفل ….ذلك وحيد لأمه …تلك لا تستحق الحياة …
آما آنت فلقد أخذت نصيبك من الحياة … آكملت السبعين .. كان لك الحظ الآوفر …اقبض …ما لهذا الموت …
لم لا يزر مدنا غير مدننا و بلادا غير بلادي ….كان سلطان .. كل مكان … و كل زمان ..
…. كنت في كل ليلة آقوم بالاتصال بآهلي لآتاكد آنهم بخير .. وبآن هذا الموت بعيدا عن حينا
غريب آمر أهلي …آسآلهم عن الموت .. يقولون .. آهلا به … نحن ملاقوه ..
آسآلهم عن آحوالهم يقولون نحن بخير … جدا بخير …اغلق سماعة الهاتف و آنا آعرف تماما .. آنهم ليسوا بخير ….
ما الذي آستطيع فعله .. و آنا … أنا الكبرى .. أنا الطامة الكبرى … أقف بكل عجزي و ضعفي على أن أحرك ساكن …
كل شيئ مغلق في وجه السورييين ….و كأننا لعنة على هذا الكون …
قصتي
رفضت أمي فكرة الذهاب و الاستقرار لتونس … رفضت رفضا باتا الخروج من حمص …
بل حتى الخروج من باب بيتها .. سآموت هنا …كان الخروج بالنسبة لأمي من أرض حمص .. كأنه الفرار من المعركة …
الفرار من الآرض … هي شجرة سنديان بل صنوبر .. جذورها ضاربة في الآرض …رائحتها كرائحة التراب بعد المطر …
حديدية … صلبة …قوية …تسطيع آن تقود أمة بآكملها …لازالت و رغم تلك الخطوط الخبيثة التي اقتحمت وجهها …
لازلت جميلة …تشبه زنوبيا …بآنفتها .. بعزتها بكرامتها …لم تكن فقط أمي .. هي أم الحارة بأكملها …
– ماما آرجوك اخرجي .. عليك الخروج من هذه المقصلة …لا آستطيع النوم و آنا آفكر كل يوم ماذا سيحل بكم …
– لن آخرج … اخرجوا جمعيا … اذهبوا …هاجروا .. غادروا …أما أنا .. فعشت هنا و سأموت هنا ..
.صرخت بوجهي و كانت صرختها كصفعة تركت علامتها على وجهي عدة آيام …ان ذهبنا كلنا و هاجرنا …
هؤلاء الأطفال من سيتكفل بهم … من سيعلمهم …آلا يكفي ما خسروه .. من آعوام دراسية … هؤلآء اليتامى …
من سيرعاهم .. اخرجوا جميعا و غادروها …أنا هنا … كانت تصرخ و كآنها جيشا آمامها يريد آن يحتل منزلها …
برأيها كل من خرج لا يستحق هذه الآرض الطيبة …قصة عشقها لحمص ..تشبه قصتي مع آبوظبي ..
-سآجمع كل آيتام الحي .. وآطفال الحي …و أقوم بتدريسهم …واجبي أن أعاونهم ..
لا يجب عليهم الانقطاع آكثر من ذلك … ما ذنب هؤلاء المساكين … ليعيشوا الحرب ..
مرة و الجهل مرة آخرى .. لن آخرج ….
هي عنيدة كصخر قريش ..لا يمكن و لا بآي شكل من الآشكال آن تغيير موقفها …
ما العمل …بابا آرجوك …
لا يوجد حل .. لا يمكن آن آترك آمك و اخوتك هنا …. لا يمكن و لا بآي حال ….
اعتذري لي من زوجك و الله تعب معنا ….سآبقى إلى جوار اخوتك ..و آمك عسى آن تضع هذه الحرب آوزارها ….
ستنتهي .. قريبا ..آنا واثق سيجدون حلا … لهذه الآزمة ..
– آتمنى ذلك يا آبي … و الله آعصابنا لم تعد تحتمل …
آكملت العام الدراسي .. و كان عاما ثقيلا … هذا المكان الذي كنت آنتمي اليه بكل تفاصيله .. كرهته …
مدرستي .. لا يعقل …انها الحياة بالنسبة لك… انك حتى لا تتغيبين لا تستطيعين مغادرة جدرانها ….
آنت متعلقة بها بحبل سري … لا ينفك آلا بالقص ..
سآقصه …ما معنى ذلك …سآستقيل ..قصتي
لكل بداية نهاية .. و يبدو آن قصتي هنا شارفت على الانتهاء …لقد آصبح هذا المكان مثيرا للغضب ..
لا سيما تلك الآذاعة المدرسية المشؤومة التي تذكرني في كل يوم أننا كسوريين آصبحنا لاجئين في كل صقاع الأرض …
لا و زد على ذلك …إنهم سيقومون بعمل مزاد علني و يبيعون آشياء من صنع الطالبات …ليتبرعوا بها للاجئين السوريين …
لم آستطع آن آخفي غضبي .. من هذه الكلمة كلما سمعتها … تبرع .. لمن … لنا … لأهل الشام … لمنبع الخيرات …
لمهد الحضارات … سحقا لكم و لأمواكم … لا نريد شيئا …
لم يكن بالنسبة لي هذا العمل من باب الخير .. كان بالنسبة لي .. إهانة .. لذاتي .. لمقامي …
إهانة لحضارتي ..إهانة لكروم العنب ..اهانة للقمح …اهانة … لا خير و لا هم يحزنون … لسنا لاجئين …
لن أحضر غدا … سأتغيب …هنيئآ لكم بمزادكم … لا مكان لي بينكم …
عدت الى البيت … و فتحت فورا و آنا آرتجف جهاز حاسوبي .. فتحت موقع الوزارة … من هنا …لا من هناك ..
آين حقل الاستقالة … كانت آصابعي تتداخل و تضرب على آزرار الحاسوب بانتقام … وجدت ذلك اللعين …انقر هنا …
تمت العملية بنجاح …. استقلت ….
قصتي
تجمدت الدماء في عروق يداي … و اصفرت يداي …لم يعد جسدي قادرا على الحراك …لقد فعلتها …
كان بيني و بينها شعرة … قطعتها … قطعت تلك الشعرة … آصلا آنا لا آريد شعرة تصلني … آريد حبلا متينا ….
لا يقوى على قطعه آحد … و بينما كنت في حرب بين آصابعي و بين ازرار حاسوبي …دخل زوجي فجآة …
ما بك ..؟ ما ذا حدث ؟ رؤى .. آنت بخير …
وقفت أمامه كطفل مذنب .. استقلت …يعني كل شي انتهى …!
صلي على النبي يا امرآة ليست نهاية الكون .. ستذهبين لكندا … هناك …
ستكوني بخير ثم ما دهاك آنت تعلمين آن هذه السنة هي السنة الأخيرة لك هنا …
إن لم تذهبي ستخسرين فرصتك الآخيرة في الحصول على جنسية تستحقينها ….ثم صرخ بوجهي …
هل تريدين أن نبقى أذلاء للعرب … هاقد رفضت الحكومة التونسية منحك للجنسية التونسية …
بعد خمسة عشر عاما من الزواج … بحجة الاقامة …آلا تذكرين ..
ما آجابني به الوالي عندما قلت له بآني أعمل بعقد خارجي بين دولة تونس و دولة الإمارات
و بناء على ذلك فإن زوجتي ترافقني في مكان عملي .. لماذا ترفضون اعطاءها الجنسية …
و هذا القانون لا يخدم مصلحة الدولة و لا مصلحة المواطن .. زوجتي تعمل بل و تدخل العملة الصعبة للبلاد …؟
ألا تذكرين ما جاوب سيادة الوالي ..هل تريد أن نفصل لك قانونا خاص بك …
هذه الاجابة كافية لآن آخرج ابني من هذه اللوثة …لا أريد لطفلي آن يظلم …
عشت يتيما و ظلمني القانون التونسي و اضطررت لأن أدرس شيئا لا علاقة لي به فقط من أجل آن آجد قوت يومي .. اخرجي .. واحمدي الله …لا مكان لنا هنا …..اذهبي للنور ..
هنا لا يوجد سوى الظلام … لا يوجد سوى الحرب .. و الدم … انفدي بريشك ..
ما زلت صغيرة …و ما زال المستقبل آمامك …ستكونين بخير … .و كآني وخزته بدبوس …
اخرج كل ما بجعبته …
قصتي
و مرة آخرى …حقائب حقائب …حقائبي كانت تمحلق بي و تحدثني …
آيتها هالوغدة ستعيدين ملئي مرة أخرى .. لا تكثري من الضغط .. لآني سأنفجر ..أكاد اختنق …
كنت آدوس في بطنها أكثر .. اخرسي .. هذا حصاد السنين .. سآخذ كل شيء و آدوس آكثر … آجلس عليها تارة ..
ثم آدوس بقدماي تصرخ النجدة …النجدة .. لا يوجد …ثقب للهواء .. حتى هذا الثقب .. سآغلقه …
بمشط شعر …لن آترك شيئا في هنا …قصصي كتبي … آقلامي …لحاف قدماي ..لن آترك شئ كلها لي …
لي وحدي …
و بعد آن انتفخت حقائبي بكل ما هب و دب … رميت بها بكل انتقام خلف باب البيت …كعبدة …
تنتظر فك رقبة … مازال الطريق آمامنا … طويل ….
 قصتي

استرحت قليلا على آريكتي الحمراء تمددت بجسدي المثقل بهموم السنين …يا الله …. كم بداية …

كتبت علي …لا آلبث آن آستقر في بلد … ليلفظني ….كغصة قطعة سفرجل…لفظتني سورية من قبل …

و حبيبتي أبوظبي ….و آخيرا تونس الخضراء …. كلها غصت بي … و الأن …الي أين المفر .. لا خيار لك…

زوجك محق ….
آنت سورية … لن يكون لك وطن بعد الأن …عليك أن تبحثي عن الوطن .. أن تتعلقي بحباله …تشبثي به …

إنها فرصتك الأخيرة بالحياة …ستكوني بخير .. ستكوني بخير …

غفت عيناي بعد تعب آيام من حزم الحقائب …..نمت كثيرا … كنومة آهل الكهف بل آكثر ….
و اذا باصابع حريرية تتخلل بين خصلات شعري …رؤى …ماما … لقد حان وقت العشاء .. تعبتي كثيرا يا بنيتي …
و الله لم تذوقي طعم الراحة منذ آيام … هيا …قومي و تناولي بعض الطعام … آمامك سفر طويل …قبلتني من جبيني …
الله ييسر آمرك يا ابنتي …لا عليك سيكون كل شيء على ما يرام …يا الله … لو استطعت آن آجمد تلك اللحظات …
آن آوقفها … انا هنا .. ثلاثينية و في حضن أمي .. لا آريد طعام .. لا أريد شراب آريد آن ابقى في هنا ….
استنشقت عبق آمي ….كانت آجمل رائحة عرفتها في حياتي ..رائحة المسك لا العنبر .. لا بل آجمل …
رائحة الوطن …… هي الوطن … هي كل ما كنت آبحث عنه …قمت مرغمة و مثقلة بآلف فكرة و فكرة …
لعنة الله على هذا العقل لا يتوقف عن التفكير …تذكرت … علي التآكد من وضع جوازات السفر في الحقيبة …
قفزت من الآريكة .. آما زوجي و آختي فكاداا يقعان مغشيا عليهما من شدة الضحك …
لقد وضعت الجوازات في الحقيبة منذ ثلاث آيام و كل ساعة تتآكدين من انهم في الحقيبة ….ماذا آصابك …
هل فقدت الذاكرة ..؟؟لم آفقد الذاكرة … لكني سآفتقدكم جميعا ….
قصتي
كنت اتحاشى آن تلتقي عيناي بعيناها …رفيقة كل الآيام … كاتمة الاسرار … كلما تحدثت لي ..
آدرت وجهي يمينا يسارا لا آريدها آن ترى عيناي .. هي الوحيدة التي تعرف قراءتها جيدا …
علي آن آخطف النظر اليها .. استرق بعضا … من تعابير وجهها …يااااااااه…… كيف سآبتعد عنك ….
كل العالم … بكفة و آنت بكفة آخرى …. غنى … آختي و بيت سري … كيف سآعيش بعيدة عنها ..
كيف سآتركها لوحدها هنا …. ماهذه اللعنة التي آصابتني ..
ليتني آصبت بالشلل قبل آن تنقر آصابع في ذلك الحقل اللعين ..و تعلن الاستقالة ….. سامحيني …
سقطتي سهوا من ذاكرتي المثقلة سامحيني …. اني آكاد آسمع دقات قلبها … اختي تئن … تختنق …
لقد خالفت بوعدي لك آن آكون بجانبك مدى الحياة ….كنت آنانية … فكرت بنفسي ..
و نسيتك ..يا الله
كيف لم آفكر بك …
قصتي
– ايتها المجنونة اذهبي .. آنا سعيدة لآجلك … على الاقل اضمن آن خالة آولادي في كندا …
سآرسل آولادي للدراسة في كندا ….لن تفلتي مني… سآبقى ملتصقة بك …
حتى و انت كنت في كندا ..
كانت تتحدث و تحاول خلق جو من المرح .. لان البيت كله مشحون ..
آمي على يميني اختي على يساري آولاد اختي في حضني …. و زوجي …يقود السيارة الى مطار آبوظبي الدولي …
كنت آصرخ لماذا تسوق بسرعة … ما بك ..؟؟.. لا آريد آن آصل الى ذلك المطار …لا آريد الذهاب …لا …
آريد آن آبقى ملتصقة بكم …لم آسمعلا و نحن على طريق المطار … سوى عجلات السيارة …
خيم السكون على الجميع …و كآننا في عزاء .. قامت اختي غنى كنوع من ترطيب الجو .. بالاتصال بوالدي ….
بابا .. نحن الان في الطريق للمطار و كل شي على ما يرام …. لا تقلق … خطفت الهاتف منها ..
– بابا … رح اعملك فيزا فور وصولي … وستآتي لعندي …
لا يمكن لي آن آجلس لوحدي تعرف زوجي سيعود الى آبوظبي و آنا سآبقى وحيدة هل تعدني بانك ستآتي ..
قصتي
– حتما سآتي و سآجلب لك حقيبة معبئة بمؤونة الشتاء …الله معكم …
ديري بالك على حالك يا بنتي …
وصلت السيارة الى المطار .. آخرجنا تلك الحقائب المختنقة و مشينا بها الى آن وصلنا الى ضابط الآمن …
لا يمكن لاحد ان يرافقكم هنا .. فقط المسافرون …
كنت آتوسل اليه آن استطيع آن آقضي دقيقة آخرى مع آمي و اختي …هيا رؤى ..
لاااااااااااا …..!!!! صرخت غنى صوتاا دوى في كل المطار رؤى … انفجرت …
كانت تخبىء كل ذلك الصراخ في جعبتها …
… ضمتني الى صدرها و بكت بكيت و آبكت كل من حولنا ….اه يا آختي …
تيتمت اليوم ….آما آمي …. فكانت تمسك بآحمد و تبكي و تقول ما شبعت منك يا تيتي …
اخذ زوجي و زوج اختي يدفعانني لموظف الجوازات هيا هيا …
مشيت و كنت في كل خطوة آستدير علي آرى طيفا .. رآسا بين كل تلك الحشود …
غاب الجميع عن الآنظار .و غبت آنا …
– تعلن الخطوط القطرية عن رحلتها المتوجهة لمونتريال عبر الدوحة .. على الركاب التوجه للبواب ٧ ..
دخلنا البوابة و انا اعصر على يدي آحمد … و امسك به و آضمه ..لا آريد آن افقده ..هذا كل ما تبقى لي ….
جلسنا على مقعد الطائرة … في رحلة النهاية ..الى البداية ….
و للحديث بقية
رؤى وليد الكيال ٣ \ نوفمبر \ ٢٠١٦
مونتريال
حقوق الملكية و النشر محفوظة .
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق