هذه قصتي

هذه قصتي الجزء الرابع عشر

هذه قصتي الجزء الرابع عشر

هذه قصتي الجزء الرابع عشر :

في بداية شهر شباط من ٢٠١٦ التحقت بمدرسة العلاج الطبيعي كينو كونسبت .

دخول هذا النوع من المدراس المهنية ليس بالآمر الصعب لاسيما أن هذه المدارس و المعاهد

هي معاهد خاصة لا تدعمها الدولة فمن يريد أن يدرس عليه أن يدفع كل شيء من جيبه

و عادة ما تكلف هذه النوع من الدراسة بين ال خمسة آلاف و العشرة ألاف دولار .

وقفت أمام مبنى المدرسة .مبنى قديم  جدا مهترئ

سألت نفسي كيف يمكن أن تصنف هذه المدرسة الأفضل في مونتريال

و مبناها في هذا القبح .لكن في هذه البلاد لا يوجد أي مقياس لأي شيء ..

كل شيء فيها يبدو خارج نطاق توقعاتك .

دخلت الصف  و إذا  بغرفة تشبه غرفة غسل الموتى .  الكثير من الأسرة  ،

إضاءة خافتة ، مكان مختنق ، لا روح فيه و لا حياة ، وعيون زرقاء و خضراء براقة تلمع في  العتمة … .

و أنا كعادتي ألتزم الصمت في بداية  كل صف .. أجلس أسترق السمع  أحاول فهم ما يقولون ،

كنوع من اختبار ذاتي لنفسي ،  أتظاهر بالمثقفة التي تمسك الكتاب و تحاول أن تفك طلاسمه….

يتحدثون باللغة الإنجليزية  و بطلاقة  تحاول أذناي أن تسمع كل ما يدور في أنحاء الغرفة .

أريد أن أعرف كيف يفكر هؤلاء .هذا هو شغلي الشاغل

لطالما تمنيت أن أخترق عقول الناس و أتغلغل في أعماقها لأعرف كيف يفكرون

جلست بجانبي صبية نحيلة جدا ذات شعر مجعد جميل تضع نظارة مدورة حول عينين صغيرتين مغروزتين

في وجه  يشبه تلك الوجوه التي كنا نشاهدها في المسلسلات المكسيكية اسمها باولا .. مكسيكية!

كم آنا محظوظة في كل صف و في كل مكان يحيط بي المكسيكيون هذا الشعب الطيب الذي يشبهنا في كل شيء .

لا أنكر أنني كنت خائفة جدا .. خوف يعتريني لا أعرف مصدره رغم أنها ليست المرة الأولى التي أدرس بها

لكن هذا المكان مختلف بكل ما فيه .

صف لا يوجد فيه مقاعد للدراسة  آسرة … كطاولات التعذيب في الشرق ،

في كل مرة تقع عيناي على تلك الأسرة تسحبني ذاكرتي اللئيمة لكل ما هو أسود هناك .

لبلدي الذي يتشح بالسواد…..و الذي تفوح منه رائحة الدم و الموت .

لا لا .. لا أريد أن أتذكر أي شيء أنا هنا فقط لأتعلم ..

دخلت  المعلمة الصف ..  أمريكية من أصول أفريقية …بدت لطيفة بعض الشيء .. …

بدأت السؤال عن السبب الذي دفع كل شخص بنا إلى أن يدرس هذا النوع من الدراسة …..

سؤال بدا لي غريبا …

ربما لآني لم أتعود على اختيار ما أحب في أي شيء درسته لا سيما في المرحلة الثانوية و الجامعية ..

هناك في بلدي لا خيار لك …… يسطرون لك ما يريدون .. لا خيار سوى لأبناء الأغنياء و أصحاب السلطة ..

قامت احداهن لتعرف عن نفسها اسمي اليزابيث :

عمري ٥٦ عاما .. لدي دكتوراه في تاريخ الشرق  سوريا و تركيا …

عملت أستاذة جامعية في جامعة ماجيل لكني فشلت و تركت هذا العمل ..

بعد أن أكملت عمري في الدراسة و قضيت في كندا ١٠ سنوات أقضم الكتب كالفأر الجائْع ..

وجدت نفسي بلا عمل و بلا مكان و حتى بلا رجل …..قررت آن أبدأ  أبحث عن نفسي الضائعة بين صفحات الكتب …

علي أجد ضالتي فيها ….

آريانا آثناء العمل في الهواء الطلق

آما أنا فاسمي آريانا:

… إيطالية .. كندية منذ الولادة .. لكني لم أعش في كندا هذه السنة الثانية لي ..

حاصلة على ماجسيتر في الصحافة لكن سوق العمل في إيطاليا جدا سيء و الصحافة تخضع أيضا لسلطة المافيات ..

لذلك رغم سنوات الدراسة الطويلة لي لم أوفق في إيجاد عمل في  الصحافة  الايطالية.

جوليا : كنت أعمل و لدي مكتب ووظيفة مرموقة في الطيران الكندي ،

لكني لم أستطع الاستمرار بعد آن ولدت ابني أحسست أنه علي أن أكون معه مدة أطول ..

و لطالما فكرت في دراسة المساج و آصوله ..

لكن لم تسمح لي  الفرصة فبعد ولادة ابني أصبت باكتئاب حاد استمر عامين متتاليين ….

وبعد الطلاق بيني و بين زوجي ….و تدهور حالتي المادية .. فكرت بأن أعمل شيء أحبه ..

نعم أنا أحب هذا الأمر … و منذ زمن طويل .. لذلك قررت الالتحاق بالمدرسة .

أما فرانسوا فهو يدرس العلوم الطبيعية و يحب أن يدرس هذه الدراسة لأنه يفكر في إنشاء نادي رياضي خاص به .

فهو مغروم بالتمرين و التدريب فرانسوا كان يهودي لطيف و طيب ..

لم آكن أعرف أنه يهودي الا في اليوم الأخير من الكورس .

كرستين في إحدى عروض السيرك

آما كرستين فهي راقصة و مغنية أوبرا و تعشق  كل العلوم التي لها علاقة بالفلسفة و تقول هذا العلم مرتبط بشكل كبير بفلسفة

أما أنا  اسمي جنيفر  معالجة فيزيائية ..

لدي الكثير من الحالات التي كنت أعالجها .. أشعر بأن ما أقدمه من علاج ليس بكافي ولا أجد نتائج جيدة..

قلت لربما على أن  أتعمق و أن أكون على تلامس أكبر مع العضلات …

و بما أنني في إجازة أمومة  لمدة  ٦ أشهر أحببت أن أستفيد من  الوقت و أن أفاجئ صاحب المركز الذي  أْعمل به

بشهادة جديدة .. تعزز مكانتي في المركز … جنيفر الجميلة كانت الأقرب لقلبي …

شخصية قوية تعرف ماذا تريد .. لها أهداف … واضحة مثقفة ..تشبه آوبرا بل أجمل …

نتالي … فرنسية الأصل ..عمري ٤٥ عاما .. عملت طوال  عشرين سنة نادلة في أحد المطاعم

على أكبر  البواخر السياحية .. لكني سئمت البحر .. اشتقت لليابسة ..

أريد أن أكون في مكان واحد سئمت حياة الترحال …  و دوار البحر…جئت لمونتريال لأنها الأقرب لي …

لكني تفاجأت بأنني رغم أنني فرنسية الأصل ..إلا أنه من الصعب أن أفهم الكيبكيين ..

سكان مقاطعة كيبك …

ماجي مطربة تدرس السيكولوجي

انتظرت إلى أن أكمل الجميع و جاء دوري …

اختنقت تعابير وجهي .. لا أعرف … وجدت نفسي في هذه اللحظة بلا هدف .. لا شيء يجمعني بكل ما سمعته من الفتيات اللواتي كن معي …

سألتني المعلمة من أين أنت ..؟ .. كم أكره هذا السؤال … ستتوالى مشاعر الحزن و الشفقة الآن علي ..

إن عرفوا أني سورية … لكني لا أستطيع أن أخفي هويتي … من سوريا ..نعم من سوريا .. لا بد آنكم سمعتهم عن سوريا …

نعم نعم .. شهق الجميع و كأنني قادمة من كوكب آخر ….سألتني …

لماذا تريدين أن تدرسي هذا الاختصاص و ما علاقتك بالعلاج الطبيعي …..

أنا أدرس ..من أجل صديقي …فقط لأتعلم … شيء جديد … هل تنوين العمل بهذا المجال ..

لا أعرف .. لست متأكدة … لكني سعيدة بآن أضيف للعلم الذي تعلمته ..شيئا جديدا .

في ذلك الوقت .. كانت لا تزال  عقدة المكانة الاجتماعية .. تؤثر علي بشكل لافت ….أنا أستاذة …

و في كل لحظة  عندما كانت تشرح المعلمة …فقرة كيميائية … و يبدأ الجميع بطرح أسئلتهم ..

و هي ليست مختصة بالكيمياء .. كانت تعجز عن الإجابة عن كثير من الأسئلة … أقف ..

منتصبة القامة.. أمسك الطبشور ..و أحلق و أرسم أرسم دوائر و صيغ كيميائية .. أرسم بريشتي  على السبورة ..

ببراعة فائقة .. وأشرح و أشرح … و كأن هذا المكان لا يريد أن يخرج مني … الصف .. السبورة .. الطبشور ….

آتعلق بهذه التفاصيل في كل مكان … لا يمكن أن أكون  إلا في هذا المكان يوما ما …

لا تهمني كل هذه الطاولات التي أراها أمامي …هذا المكان .. هو فقط خطوة … لخطوة أخرى …

لا يمكن آن يكون مكاني سوى في إحدى الجامعات او المعاهد … هناك …  ما أستحقه …..

بدأت المعلمة بالحديث عن التعددية الدينية في الصف .. و تقول .. هذه الغرفة ..

هي غرفة مفتوحة للتعلم ..لا مكان هنا للتسلي … …نحن هنا لنتعلم .. لا تستهينوا بهذا العلم …

قد تحتاجون لإعادة الكثير من الامتحانات … من مواد التشريح …

قالت .. من يرى منكم أن دينه يمنعه من هذا العلم ..أو لديه تحفظ ما .. .. فعليه الانسحاب من الصف …

أحسست كأن الكلام موجه لي … لكن كيف عرفت  ديني …. مجرد لأنني من سورية …

على كل حال لا يهمني .. آنا هنا لأتعلم فقط … لا يهمني ما يقولون…

مرت اليوم الأول بطوله و عرضه …

طلبت من إحدى الطالبات بالتبرع و الجلوس على طاولات الموت التي كنت أسميها في داخلي …

و بدأت بتشريح عضلات ظهرها … كانت تمسك بعضلات الكتف واحدة تلو الأخرى …

ثم جاءت بهيكل عظمي و قالت .. هذا الهيكل سيكون صديقنا طوال فترة الدراسة ….

لم أكن أعلم أنذاك أن علي أن أحفظ مكان العظام و أسماءها و كذلك الأمر بالنسبة للعضلات ..

كان علما جديدا علي … أنا لست بارعة في الحفظ وهذه الكتب تحتاج لمن يقرضها و يبتلع كلماتها ….

آنا عقلي رياضي .. أميل للمنطق  آكثر .

و بعد مرور الآيام … على طولها … بدأت أحب هذه الدروس … فكرتنا جدا سيئة ..

عن هذا النوع من العلاج .. دائما نظرة مجتمعنا قاصرة للعلوم الأخرى …..

أكملت الخمسة أشهر بشق الأنفس … و أنا أركض و أركض .. وأحلل و أدرس…

و أرسم و اشرح … الفرق في هذه المدرسة .. آن العلاقة التي تبنيها مختلفة عن غيرها ..

هنا الأغلبية من الكنديين .. الطيبين .. لكن من الصعب بمكان أن تحتفظ بصديق كندي ..

هم أصدقاؤك في وقت الدراسة و في الصف .. و اذا استدعيت أحدهم لعشاء آو غداء…

من الصعب آن تكون علاقة عميقة .. كعلاقات الشرق المتشعبة …

خرجت من هذه المدرسة و في جعبتي الكثير من التجارب و الخبرات … و أخبار و قصص الشعوب الأخرى ..

لينتهي فصل أخر من فصول حياتي التي لا تنتهي و يبدآ فصل جديد …

عسى آن يكون الأفضل …

رؤى الكيال – مونتريال

10- 2- 2017 

الوسوم
اظهر المزيد

Roua Kayal

أستاذة في الكيمياء - مدونة سورية من مدينة حمص - ناشطة إعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي - مديرة موقع آهلا بكم في كندا - مهتمة بأمور الهجرة و المهاجرين إلى كندا و كل ما يخص الاندماج في المجتمع الجديد الكندي .. آقدم نصائح من خلال تجربتي الشخصية في كندا .

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق