هذه قصتي

هذه قصتي الجزء الرابع

هذه قصتي الجزء الرابع

قصتي بعد آن عدت أدراجي إلى محبوبتي أبوظبي … في عام ٢٠١١ ..
بقيت عيون ذلك الصغير معلقة بذاكرتي ..وبعد وقت ليس بطويل انغمست بأحوال العمل و المدرسة و الطالبات …
لا شيء يضاهي حبي لتلك الزاوية لتي كنت آنعزل فيها غارقة بين كتبي و أقلامي الملونة …هنا ورقة ..
هذا اجتماع .. علي أن أقوم بالتحضير .. لدي حصة نموذجية غدا …
و بين هذا و ذلك كنت على مقدرة من إنجاز ألف مهمة صعبة …كم أعشق هذا المسرح …
حيث أقف و أمامي جمهرة من الطالبات أقوم بتعليمهم الكيمياء بطريقتي المبتكرة ..
كانت الكيمياء العضوية بالنسبة لي أغنية أطبل و أزمر في هذه الحصة إلى أن تحفظ طالباتي جذورها جميعا …
أما درس التوزيع الإلكتروني .. فلا يمكن لآحد آن ينافسني في طريقة تعليمه …
كنت أخذ بطالباتي في حصة الكيمياء إلى عالم أخر …يبحرون فيه و ينهلون من العلم …
لم تكن مملكتي كتلك النساء البيت و العائلة … مملكتي آنذاك صف الكيمياء .. حصص المختبر …
مملكتي كانت هناك في عالم آخر ….لم آعشق مكانا كعشقي لها ….
و في قمة ذلك الزحام من الأفكار …اشتعلت الثورة …مرة في تونس و أخرى في مصر و تلك في اليمن ..
التهبت المنطقة بآكملها … لم أعد آقوى على متابعة كل هذه الأخبار …
كنت أسهر و أسهر لأعرف مصير ذلك الرئيس و نهاية الأخر …
.بن علي هرب …هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية .. ..ضبطت الأمور في تونس ….
و انتهت ثورة الياسمين …
و بين هذه الثورة و تلك .. و في إحدى الليالي …نهضت من النوم هرعة … أبكي و أرتجف ….
لالا لا ..
– ما بك بسم الله … قل أعوذ برب الفلق ..تمتم زوجي و قام باحتضاني بقوة …
– سورية … ستحترق … رآيت كل المأذن تتساقط و تهوي … حتى صلبان الكنائس تقع ..
رأيت المسيح في المنام .. يقول لي سورية ستحترق … لا أعرف إن كان المسيح …
لكن يشبه الصور التي كنت أراها في الكنائس …ركام ..حطام … نيران تلتهب كل شيء ..
صراخ و بكاء .. أنين …سورية ستحترق ..و شهقت شهقة آرعبت زوجي ..اعتقد آنها شهقة الموت …
قفز من السرير ليجلب لي قليلا من الماء …سقط الماء …على وجهي … كسقوط بغداد …
– آنت بخير … مجرد آضغاث آحلام ..اقرئي المعوذات … هل صليتي العشاء ..
قبل آن تنامي .. لا بد آنك أثقلت في العشاء …انها الملوخية التونسية ثقيلة على المعدة …
هذا هو السبب أنا متآكد .. .
كان زوجي المسكين يبحث عن آسباب لذلك الحلم الغريب وكآنه يبحث عن قشة في كومة من الورق ..
– سورية بخير اطمأني . ما بك .. هل تريدين الاتصال بأّهلك .. سآقوم انا بالاتصال بآبيك…
– عمي وليد .. لا باس …
– الحمد لله كلنا بخير و لا ينقصنا إلا وجودكم معنا …
خلال أسبوع سأكون عندكم تعرفني أحب رمضان في الإمارات على الأقل أذهب للصيد و أنسى السيجارة الملعونة …
أخذ يمسح على شعري كالطفلة الصغيرة بين يدين والدها …لابأس عليك لا تحزني ..
كلهم بخير .. رؤى عليك آن تخففي من الآخبار ..
لا يمكن أن تستمري بهذه الطريقة الجنونية من قناة الجزيرة للعربية الى CNN و من ثم BBC ..
– أخذت نفسا عميقا .. لازلت حية … لا تخف …لكن هل يمكن للحلم أن يصبح حقيقة …
– إنه ليس بحلم .. إنه الشيطان .. يحاول الوسوسة لك …
– لو حدث في سورية ما حدث في تونس .. سوف نغرق ببحر من الدماء ..
– صلي على النبي يا امرأة …لن أسمح لك بمشاهدة الأخبار مرة أخرى ..
و مرت الأيام.. نسيت كندا …نسيت السنجاب … نسيت كل شيء …
في هذه المنطقة من العالم لا يوجد سوى الدماء.. .. إنها فقاعة صابون …
قد تنفجر في آي وقت .. و سوف تأخذ بطريقها كل شيء…
ذهبنا لاستقبال والدي من المطار ..و كعادته متوترا لم يصدق أن يخرج من باب المطار ليشعل سيجارته المعهودة ..
و كآن بينه و بينها عقد قران ..مسكين والدي .. كان يحلم بولد يحمل اسمه …لكن هيهات …
لم يستجب له القدر .. رزقه الله بآربع بنات .. لم يميز بين واحدة و الأخرى …
لكنه كان يفرط كثيرا في تدليل الصغيرتين اللتين قدمتا إلى الحياة بعد انتظار دام أكثر من اثنا عشر عاما ..
كأنه يريد أن يثبت لجميع من يحيطون به أني لأ أبه بلقب أبو البنات …كل بنت عندي بمية صبي …
هذه جملته المعهودة … لكل غريب ..أنا ما إجاني صبيان بكرة بناتي بيجيبوا صبيان …
يا لهذا المجتمع الذي يضع كل من لا يعجبه في قفص الاتهام .. لماذا عليه أن يبرر دائما …
كان يثير شفقتي عندما نجلس في لمتنا العائلية و يرى آولاد أعمامي يصطفون كالبنيان المرصوص حول أبائهم ….
و هو يجلس وحيدا .. في مجمع الرجال .. لا ولد له …يحمل اسمه …
و دقت الساعة … إنها الإجازة الصيفية مرة أخرى ..و دوما رمضان ..
صديق لنا في هذه الإجازة ..آخيرا سآذهب لتونس لم أعد أطيق الانتظار …احزمي الأمتعة أيها الرؤى ..
– ألا ترين أنه من غير اللائق أن نسافر لتونس و نترك أباك هنا ليقضي رمضان …
تعرفين أختك تعمل و زوجها كذلك كيف سيقضي الوقت .. لوحده …
– لا أعرف … لكن نحن حجزنا قبل موعد قدومه ولا أعتقد أن أبي سوف يتضايق سنجلس آسبوعين و نعود حالا ..
لديه الكثير من الأصدقاء .. .. بل سيذهب ليصيد السمك .. كعادته … لا أعرف …
لم يبقى سوى ثلاثة آيام للسفر ..
– لا عليك سأتدبر الأمر …
بعد يومين .. دخل زوجي و معه جواز سفر والدي و عليها فيزا للدخول لتونس مع بطاقة سفر …
ستذهب معنا عم وليد … يجب عليك آن تزور بيت ابنتك الكبرى …
آما آنا فشهقت مرة أخرى …لكن شهقة فرح …سحبت الجواز من يديه .. نعم انها فيزا بابا ..
ستذهب معنا لتونس .. ستحبها كثيرا …
– يا بنتي .. الله يرضى عليكي خليه يرجع التذاكر و بلاه هالمصروف الزايد ..
– لا ستذهب .. لا مفر ..سآستغل الوزن المسموح لك بآخذ بعض الآشيآء التي أريدها …
وصلنا تونس الخضراء …لم تكن خضراء … فمخاض الثورة ..لونها بالآصفر المائل للبرتقالي ..
بكل الأحوال إنها جميلة .. أحبها بكل الآلوان …. …الله ما هذه الطلة ..
اعطيني كرسي يا ابنتي و آنا سآجلس هنا على هذا البلكون آنا و سيجارتي و راديو صغير … ..
هواء عليل بيرد الروح و منظر جميل …
مرت الإجازة و أنا و والدي نتسابق في تحضير الآكلات السورية و عرضها على موائد العائلة ..
كانت آسعد لحظات لديه شواء الباذنجان لتحضير المتبل الحمصي … لا آحد يضاهيه في تحضير هذا الطبق .
استآجر زوجي سيارة و كعادته أعطى مفاتيح السيارة لوالدي الستيني ..
كان والدي مغروما بالسيارات و بالسياقة ..و رغم آنه لم يزر تونس إلا أنه كان يخرج وحيدا و يعود وحيدا و يكتشف المنطقة …. و يحلم و يحلم .. بمطعم سوري … هنا … في هذه الزاوية …
و يتحدث و يسآل عن آسعار المحلات كمستثمر يملك ثروة في جيبته …
– آحببت تونس .. إنها جميلة … اذهبوا آنتم لكندا و آنا سآحضر زوجتي و بناتي ..الى هنا .. هنا آكثر أمانا..
كانت بواكير الآحداث في حمص …لم يرد آن يخبرني التفاصيل لكنها كانت تلك الشرارة التي رآيتها في الحلم …
و التي أحرقت كل شيء…
قام زوجي بعمل أوراق إقامة … لوالدي .. في تونس هنا آكثر أمانا … هنا سوف يعمل و يفتح مطعم …
و عنده بيت و لا يحتاج أي شيء ساقوم بشراء سيارة صغيرة له …الله أنا سعيده … أبي يستحق .. كل هذا ..
سيكون سعيدا …هنا .. سيفتح المطعم و يعمل و سيمسك بزمام الامور هو رجل ستيني بطموح عشريني ..سينجح …..
عدنا آدراجنا… الى أبوظبي و في ذهن كل واحد منا صورة …
لذلك الحلم … آنا العودة لزاويتي المعهودة .. زوجي .. العودة لكندا …
والدي العودة لسوريا… أما أحمد…فلم يكن يأبه لآي شي …
– سآعود و سآخبر والدتك و إخوتك بالقرار … سوف نقوم بالانتقال للعيش بتونس ..
و عندي الإقامة الرسمية ….
– رافقتك السلامة يا أبي ..
– قد تكون هي المرة الآخيرة التي سأراك بها .الوضع متوتر في حمص و الآوضاع لا تطمئن.. ..
وصيتي لك آخواتك…… لا تتركيهم في سوريا … وصيتي إخواتك … غادر ..
و في قلبه غصة …و كأنه كان يعلم …
… ذهب .. آبي … ذهب … و لم يعد ..
للحديث بقية ..
الاربعاء ١ \ ١١\ ٢٠١٦
بقلم رؤى الكيال …
حقوق الملكية و النشر محفوظة .
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق