هذه قصتي

هذه قصتي الجزء السابع عشر

هذه قصتي الجزء السابع عشر

رؤى الكيال – مونتريال

هذه  قصتي الجزء السابع عشر ..

في هذه المدينة .. يروق لي  التسكع بين الحين و الآخر في أطراف أحيائها ……

أغوص في أٌغوارها .. .. أتحدث  حتى مع جدرانها الملونة …  على كل جدار آلف قصة و قصة ……

قصص الحب الغريبة  هنا التي لا تشبه قصصنا ….

حانة هنا و أخرى هناك .. … رجل كهل يعزف على جيتاره معزوفة سمعتها يوما في باريس …

مونتريال تشبه باريس كثيرا في ملامحها الفرنسية …… هذه المدن  التي نراها على التلفاز ..

كانت جزءا من أحلامنا الوردية في عمر الشباب …. لا ليست أحلام .. إنني هنا ..

لكن .. ما كنا نراه … و ما كنا نحلم به .. يختلف كثيرا عن الواقع الذي  نعيشه .. …

آحاول المقارنة  بين أحيائنا الشعبية و جمالها ….. و الروح التي تسود فيها …

و بين هذه الشوارع  الباردة … التي  تخبئ ورائها …أهات و عذابات .. كل مهاجر جديد ….

و بينما أنا حائرة في  الماضي و الحاضر ..مررت  بباب إحدى الحانات ….

الله ما أجمل هذا الصوت !!!…. فضولي كاد  يقتلني أريد أن أرى وجه  هذه السيدة ….

أريد أن أتعرف على ملامحها …. لم يسبق لي أن دخلت هذه الأماكن التي تملؤها طقطقة الكؤوس و الضحك و القهقهات …

.تذكرت أمي … و أبي .. تذكرت الأحاديث التي كانت تدور بين الكبار … عن خطورة و انحطاط هذه الأماكن …

هذه الأماكن ليست لنا …و لا تناسب ثقافتنا و لا ديننا … لكني .. أحب الاكتشاف ..

أنا اليوم لست بنت عشرينية .. أنا امرأة في التاسعة والثلاثين .. ثم أنني وحيدة ..

لن يراني أحد و لن يعرفني أحد ..كل ما أريده أن أراه … صاحبة هذه ا الصوت المخملي ….

مسكت هاتفي .. وتظاهرت بأنني  أكتب الرسالة .. كنت كمن يريد أن يسرق قطعة خبز …

نظرت إلى النساء اللواتي  يدخلن هذا المكان…. كلهن من ذوات الفساتين القصيرة و الأفخاذ العارية …

لا يغطي  أجسادهن الجميلة …سوى قطع قماش تتدلى من هنا و هناك .. ...

كن جميلات …. ضحكت كثيرا على نفسي … أين أنا من هؤلاء ….

لهذه الأماكن ملابسها الخاصة …أنا في بنطال  الجنيز الذي لم أعرف غيره منذ أن دخلت كندا…

و هذا الحذاء الرياضي … مع حقيبة الظهر التي أحمل بها كتبي و معجمي  ….

سأدخل مهما كلف الأمر .. أريد أن أراها …

تظاهرت بأني أريد أن  اذهب إلى الحمام لأغسل يداي …وفعلا دخلت ….

عالم أخر من أصحاب الأموال و طاولات القمار و كؤوس النبيذ و الخمر و ثريا تتوسط المكان

تبهر الناظر من شدة الجمال … و بين كل هذا  و ذلك …

سيدة أفريقية جميلة في كل ملامحها … شعرها أسود كالليل تتدلى منه جدائل رفيعة …..

ترتدي  ثوبا قصيرا  أحمر اللون .. تقف  أمام  الجميع و تغني على موسيقى الجاز ….

يا إلهى هذه السيدة تستحق أن تغنى في دار الأوبرا … هذا ليس مكانها …..

اقتربت منها و همست في آذنها .. إنك جميلة … و خرجت …

و أنا جدا سعيدة .. لأنني لم و لن أكن يوما من مرتادي هذه الأماكن …

ففنجان قهوة على مكتبي  أمام  شاشتي الزرقاء  أجمل بكثير من كل هذه الأماكن و

ضوضائها ….

لا عدل في الحياة …. لا عدل في هذه الدنيا …

فهذه السيدة الجميلة ذات الصوت القوي … تعمل في هذا الملهى الليلي …

لا أحد ممن يحيطون بها … يفهم لغة الموسيقى التي تغني بها ……

كل واحد منهم في عالم أخر … لا عدالة في هذه الحياة …

و لا عدالة في كندا …

كان هاجسي الوحيد هو أن يلتم شمل عائلتي .. أريد أن أمشي في هذه الشوارع  مع زوجي …..

أتذكر  كثيرا أيامنا الأولى عندما كنا نفطر في رمضان على جنبات الطريق  في مرحلةاكتشاف المدينة ….

و كان يحمل أحمد على كتفيه تارة و  في أحضانه تارة أخرى …

الوحدة هي كل ما يؤرقني …. أعيش وحيدة على ذكريات سنوات قضيتها معه …

يجول في خاطري ألف فكرة و فكرة …

وحيدة .. سأعيش وحيدة .. سأموت وحيدة … سأدفن وحيدة ….لكن لا … لا بد أن ألم شمل عائلتي ..

الحل الوحيد .. هو الالتحاق بعمل يجعلني أستطيع تقديم الأورق لإعادة لم شمله بعد أن خسر إقامته الدائمة هنا ….

–       أنطونيو .. آريد أن أعمل .. أريد أن أعمل بدوام كامل ..

–       هل ستتركين العمل في العيادة و بالمساج ..

–       لا سأعمل  أي عمل أريد شهادة خبرة كندية من أي شركة ..

أريد أن أقدم على أوراق لم شمل و العمل الخاص كما ترى الدخل ليس مرتفعا  …

–       فكري كثيرا يا صديقتي … لا تستطيعي أن تتحملي هذا النوع من العمل …

–       لا بأس .. أريد و فقط أريد إن لم تقم بمساعدتي .. سأبحث بنفسي ….

–       اسمعيني .. ما رأيك بالعمل في الشركة التي تعمل بها زوجتي … هم الأن يبحثون عن موظفين …

لكن العمل سيكون في الليل …

–       لا يهم ليل نهار .. فقط أريد أن أعمل …

–       إذا غدا في العاشرة ستمر عليك لوتيسيا و تذهبي معها لتقديم الأوراق ..

صديقي أنطونيو .. مستعد دائما لتقديم أي مساعدة .. أحتاجها ..

يبحث لي عن أي شيء أريده … إنه الأب الذي فقدته  هناك …

كل ما يهمه أن يسمع صوتي و أنا أضحك و أمزح … لا يمر عليه الليل قبل أن يحقق ما أطلبه منه ..

سواء .. خدمة أو سؤال يبحث لي عن إجابته مع أصدقائه و معارفه ….

و بالفعل ..تمت المقابلة .. مع رجل كيبيكي يتحدث الفرنسية الكيبيكة التي لا أفهمها جيدا …

–       أنت مستعدة للعمل على الآلات … العمل ليس بالأمر الصعب

سنقول بعمل دورة تدريبية  للعمل على هذه الآلات و يبدو أنك ذكية خلال يومين أو ثلاثة

ستستطيعين  التحكم بكل هذه الآلات .

–       موافقة …

في اليوم الأول من التدريب …. كان على أن أتعامل مع آلات تشبه السيارات الصغيرة

التي تمشي و تقوم بعملية تنظيف  أرضيات المحلات الكبيرة .. بدا لي الأمر ممتعا ..

فأنا أحب الألات .. تذكرت كل الدارات الكهربائية التي كنا نصلها في حصص العملي في مواد الفيزياء ..

في الجامعة في حمص …لا بأس من التغيير ..

كان علي القيام بشكل يومي بالمرور على أكثر من   خمسة محلات للقيام بعملية التأكد من صلاحية الألة قبل البدء

بسياقتها من قبل العمال …

و كان أحد  شروط العمل إتقان قيادة هذه الأليات و قبول تعويض أي عامل أو عاملة في حالة غيابه عن العمل ..

أي علي أن أتقن عملية صيانة الماكينات قبل البدء بعملية التنظيف بل حتى قيادتها …

التي كانت بالنسبة لي أصعب من قيادة السيارة …

فعليك قيادة ماكينة و دفعها و التحكم بها و بثقلها فكل ماكينة يمكن أن يصل وزنها إلى ٥٠٠ كيلو  …

لم يكن التحكم في قيادة هذه الماكينات سهل أبدا فعليك تمريرها بين ممرات المحل الضيقة

و التحكم بعملية استدارتها و الحذر من وقوع أي شيء من مقتنيات المحل … ياه … ما هذا العمل الشاق…

لا يهم هي فترة تدريبية الصيانة ستكون أمر سهل علي .. و بالفعل …

بدأت رحلة أعتبرها  أقسى تجربة مررت بها في كندا … من جميع النواحي النفسية و المعنوية …..

رغم أن الأجر الذي كنت أتقاضاه كان مبلغ رائع بالنسبة لمبتدئة في سوق العمل ..

فقط دفعت لي الشركة ١٨ دولار على الساعة و كان مبلغ رائع …

حسدني عليه كل من عرف ممن لهم فترة طويلة و يعملون بأجر ١٣ و ١٤ دولار …

لم يكن الهاجس المادي مهما بالنسبة لي بقدر ما همي هو أن أحصل على هذه الخبرة الكندية

الخرقاء التي يطلبونها منك في أي عمل و في أي مكان … خبرة حتى لو بالقمامة …صدقوني لا أبالغ آبدا …

فكرت بأن علي أن أرمي كل ما كنت عليه في السابق و على أن أبدا من جديد ..

على أن أنجح في أي عمل مهما كان بسيطا ..لا بد علي من النجاح …

هي فرصة و تجربة جديدة سأتعلم منها ….. و فعلا بدأت رحلة الخفافيش ….

فهذا العمل هو عمل دوامه يبدآ الساعة الواحدة ليلا و ينتهى الساعة السابعة صباحا ….

لا بأس .. كنت أسهر في سوريا … سأعتبر نفسي أنني لازلت أعيش في أبوظبي ….

هذا العمل جيد .. سأكون روحيا مع زوجي .. سأصحو معه و سأنام معه ….

أحاول التخفيف على نفسي و التحايل على جسمي بشرب المنبهات و المنشطات …

هذا العمل جيد .. سأفقد الكثير من الوزن لأنه  يعتمد على الحركة ..

لن أبقى حبيسة الكرسي و طاولة الدراسة ….

طبعا في كل هذه المراحل لم يكن زوجي موافق على أي شيء . .و لا على العمل ..

إلا أنني صممت بحجة الخبرة الكندية و بحجة أن العمل بسيط ..

وأنه من الخطأ الحكم على شيء قبل أن أخوض تجربته .. هي تجربة … لا بأس ..

كنت أخرج من البيت الساعة الواحدة صباحا .. بعد منتصف الليل و اعود البيت السابعة و النصف صباحا ..

أجهز ابني إلى المدرسة و بعد أن يخرج ابني … أعود للنوم من التاسعة للواحدة ثم أخرج للعمل في العيادة …

إلى الرابعة أعود للمنزل لأحضر الغذاء لطفلي .. ثم أعود إلى العيادة إلى الساعة الثامنة…

ثم أنام من التاسعة إلى الثانية عشر ليلا ….. حياة خفافيش بكل معنى الكلمة ……

أصعب الأوقات التي مررت بها .. هي ترك ابني وحيدا في الليل … لكني …. علمته ….

أن هذا عمل و أن لديه الهاتف و أنه يستطيع أن يتحدث معي عند أي طارئ …

و أن عليه أن يستمتع بأحلامه فقط و لا يفكر بأي شيء أخر ….

تغبير أوقات النوم كان بالنسبة لي هو الأمر الأكثر تدميرا ….

بعد مرور أربعة أشهر … شعرت بأن قواي بدأت تنهار …

وجهي أصبح شاحبا … و الهالات السوداء بدأت تظهر  حول عيناي …

لم أشعر بتعب في حياتي بأكملها كما شعرت به في هذه الفترة …

كنت أصحو أجد أن يداي في حالة تنميل ..

علي أن أنتظر نصف ساعة لتعود يداي للحركة بشكل طبيعي …

قلة النوم و تقلب النوم .. سبب لي حالة من العصبية المزمنة .. أصحبت نزقة المزاج ..

أتشاجر مع نفسي و من كل من هو حولي …..و نوبات صراخ و عويل و بكاء …

استمرت معي فترة .. لا أعرف سببها ..لكن ربما النوم و قلة النوم ….

كان عالم المحلات الكبيرة .. محلات تشبه كارفور في الخليج … محلات عرفت بها آدق التفاصيل ..

دخلت عالم المخازن ..وطرق التخزين … وغرف التخزين و الثلاجات الكبيرة …

أكثر ما لفت نظري في مخازن هذه المحلات .. هو طريقة تعاملهم مع الكراتين و الأكياس البلاستيكية ….

كانوا يجمعونها بطريقة منظمة  و يضعونها في ألة تحول كل الورق المقوى إلى عجين ليعاد تصنيعه فيما بعد …. .

كل شيء كان يمشي على مايرام .. كل عامل و كل شخص ..

رغم كبر سنه إلا أنه يعمل و هو يبتسم …غريب أمرهم …. لا ترى الابتسامة تفارق وجوههم

…و رسالات الترحيب …..

و هكذا و بعد أربع أشهر .. قررت التوقف عن هذا العمل ..

و اخذت الشهادة الكندية التي كنت أبحث عنها  و التي تعبت كثيرا ربما أكثر من تعب و سهر

سنوات دراستي الجامعية …. المهم انقضت المدة .. و حزمت أمتعتي بعد غياب ثلاث سنوات عن أبوظبي …

و شددت الرحال .. إلى هناك في زيارتي الأولى … عدت إلى جذوري ….

لكن هذه المرة .. لم تكن أبوظبي …كما عهدتها ….تغيرت  هي  كثيرا …. …. بل أنا  التي تغيرت ….

يتبع،،،،،

رؤى الكيال – مونتريال

7\5\2017

حقوق النشر و الملكية محفوظة

الوسوم
اظهر المزيد

Roua Kayal

أستاذة في الكيمياء - مدونة سورية من مدينة حمص - ناشطة إعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي - مديرة موقع آهلا بكم في كندا - مهتمة بأمور الهجرة و المهاجرين إلى كندا و كل ما يخص الاندماج في المجتمع الجديد الكندي .. آقدم نصائح من خلال تجربتي الشخصية في كندا .

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق