هذه قصتي

هذه قصتي الجزء السادس عشر

هذه قصتي الجزء السادس عشر

هذه قصتي الجزء السادس عشر ..

رؤى الكيال – مونتريال

بعد أن أتممت دراسة كورس المساج السويدي لمدة ستة أشهر ..بدأت أجهز نفسي للعمل …

كان علي أن الذهاب إلى مراكز السبا في الفنادق أو  النوادي الرياضية أو العيادات الخاصة ..

و فعلا بدأت البحث … و بدأت الاتصال …

دخلت لإحدى المراكز العلاجية  و استقبلتني صاحبة المكان و كنوع من الاختبار  قالت لي ..

سأقوم باختبارك .. ستقدمين لي جلسة علاجية و على أساسها سأرى … قلت لها في قلبي ..

سترين ..  و فعلا استلقت على طاولة العلاج ..

و بدأت بتطبيق ما تعلمته في المدرسة بحذافيره  أمسك بعضلة الكتف و أقوم بفك العقد  المترابطة …

آضغط عليها بكل قوة .. و كأنني أريد أن أنتقم من هذا الواقع .. الذي آتى بي إلى هنا….

ماذا أفعل هناااا…. آعود .. و أركز .. و آتذكر  ما علمني إياه  صديقي ….

علمني أن أغمض عيناي  أثناء العلاج .. قال لي  الشعور بمكان الإصابة يكون أقوى عند إغماض العينين ..

و فعلا في كل لحظة كنت أمرر يداي على كتفها ورقبتها أغمض عيناي لأقوي الإحساس و أمسك مكان الألم …

و بعد أن أنهيت الجلسة  خرجت من الغرفة لغسل يداي  بعد أن تصببت عرقا

فهذا العمل عمل فيزيائي يجهد المعالج و ينهكه … قالت السيدة الكندية .. بوركت …

لديك يدان قويتان .. شعرت بأنك تصلين لعمق الألم … آنت رائعة ..و مبروك عليك ..

قفزت من الفرح .. فهذه الفرصة الأولى لي بالعمل في كندا ..

و كل ما أريده الخبرة الكندية التي كانوا يطلبونها في كل مكان ..خبرة كندية ..

بأي شيء  مهما كان العمل أو طبيعية العمل….خبرة حتى في القمامة …

–       كم عدد  ساعات العمل   و بكم ستكون  الساعة؟

–        مبدئيا ستعملين ثلاثة أيام في الأسبوع ٥ ساعات في اليوم …

يعني معدل ١٥ ساعة في الأسبوع ..

و ستبدئين   بمبلغ ٢٠ دولار في الساعة .

–       شكرا لك سيدتي سأقوم بالرد عليك بالإيميل غدا ..

–       بانتظارك .. و أتمنى أن تكوني معنا ..

فيداك من حرير و قوتهما ستكون سببا في تخفيف الألم على الكثيرين.

–       الى اللقاء ..

خرجت من اللقاء و أنا أجر حبال خيبتي .. فكرت كثيرا … حتى هنا .. في كندا .. يستغلون العامل …

ستتقاضى  من المريض قرابة الثمانين دولار  لقاء جلسة علاج لمدة ساعة ..

و ستعطيني عشرين  دولار فقط ..ما هذا الاستغلال ..

يعني كل ما سأجنيه  ثلاثمائة دولار في الأسبوع ..

هذا بالإضافة إلى أنه حسب توصيات النقابة لا يجوز لنا أن نعمل  بشكل متواصل

فبين كل جلسة و أخرى علينا علي الأقل الاستراحة لمدة نصف ساعة ..

لا يمكن لي أن أقبل هذا العرض .. كنت في دوامة …هي الفرصة الأولى لي في العمل …

و المكان رائع  لكن .. لا يمكن أن أسمح لأحد أن يستغلني .. لا لن أقبل ..

أرسلت لها إيميلا .. قلت لها سيدتي أنا أعتذر عن قبول الوظيفة لعدم تلائم العرض مع طلبي شكرا لك ..

كان يراودني خوف ..خوف من الندم .. أن أندم على رفض فرصة عمل ..

و الفرص ليست كثيرة و العروض أيضا و المنافسة قوية …

و أنا أحتاج أن أعمل لأستطيع إكمال الأوراق  و ألم شمل عائلتي المشتتة ..

يا الله .. كن معي .. و بين أفكاري هنا و هناك …رن الهاتف ..

–       كيف حالك رؤى .. أريد أن أطمئن عليك ما خطبك لم أسمع عنك شيئا من يومين .

–       تعيسة .. و مقهورة ..يا صديقي .. رفضت فرصة العمل  .. و بدأت أبكي كعادتي .

–       هوني عليك  .. لن تنتهي الحياة عند أول فرصة ..علينا أن نفكر معا ..

سنذهب لشرب فنجان من القهوة في تيم هورتون.

–       لو سمحت أريد كوبان من القهوة السوداء ..

ضحك  ضحكته المعهودة … هل عليك في كل مرة أن تذكرينني بهذا اللون ..و قتامته …..

–       آسفة أنطونيو .. لم أقصد …

–       لا عليك هيا … قولي لي ما خطبك ..؟ و بدأ بالصراخ في وجهي …

تريدين أن تعملي  في  مكان يستغلك طاقتك و يمتص عرق جبينك .. لا تندمي ..

سنعمل معا … أنت درستي  قمت بأكثر من ٤٠٠  جلسة علاج تعليمية ..

لن تحتاجي أن تعملي عند أحد .. سنبدأ ببزنس صغير وأنا سأساعدك ..

سأمرر لك زبائني ليقوموا بجلسات معك ..و سنعمل إعلانات في كل مكان .

و مسك برأسي وهزني  لا تزعزي ثقتك بنفسك  .. ثقتي بك كبيرة …

اعطني  الهاتف سأتصل بزوجك صديقي اللطيف ..

أخد السماعة و بدأ يتحدث مع زوجي .. و يشرح له .. عما  يدور في باله ..قال له ..

أريد منك أن تبحث لنا عن مكان لنبدأ به العمل..

و بالفعل خلال دقائق أرسل لي زوجي عنوان أحد الأشخاص الذين يملكون مكانا للإيجار …

ذهبنا للمكان و استأجرناه… لم نكن نملك سوى أجرة شهر واحد ..

اتفقنا أن نجهز كل شيء ..ذهبنا إلى إيكيا و اشترينا كل ما يلزم للعيادة ..

و خلال يومان ..كان كل شيء جاهز ..

كانت سعادتي كبيرة .. لأنه حلم أنطونيو تحقق ..لطالما كان حلمه بأن يكون له عيادة  خاصة به …

.. هو يعمل في منزله بسبب صعوبة حركته … قال لي .. قضيت أربع سنوات كالأرنب في غرفة واحدة ..

مع طفلتي الصغيرة .. آكل و أنام و أشرب و أسهر و أعمل في نفس المكان …

كنت أحلم بأن أخرج من هذا المكان ..ومن هذا القبر المظلم …أريد أن أسترد رجولتي التي سلبها لي العمى …

أريد أن أشعر أنني أب .. مثلي كمثل أي رجل .. يخرج من بيته للعمل و يعود مساء مع كيس من الخبز الساخن …

أريد أن أخرج من هذا القمقم ..هذا المكان .. يزيد في عتمتي يوما فيوما ..

آريد  أن يلمس الهواء وجنتي ..أريد أن أشعر بأشعة الشمس تلمس بشرتي ..

أريد أن أسمع صوت العصافير .. صوت القطط .. ضحكات الأطفال في الطرقات ..  .

زجاجات الكحول التي ترينها … كانت تزيد يوما فيوما … أشرب الكحول لأنني أريد الخلاص .. أريد …

أن أنام … نعم أنام … و أشرب و أشرب .. فقط لأنام … النوم بالنسبة لي هو الحياة …

الحياة التي أحياها و الخيالات التي أرسمها في النهار .. تتجسد لي في الأحلام …..

لقد حلمت بك .. مرارا و تكرارا .. و حلمت بابنتي فرناندا … أعرف وجوه من أحب جيدا …

أريد منك أن تساعديني في تحقيق هذا الحلم … و أنا سأكون لك كالسيف في ظهرك …

سأكون اليد التي تبطشي بها كل شيء …سأكون الناصح و الصديق الأخ و انت كوني فقط عيناي …

افهميني رؤى .. افهمي شخص لا يرى .. لا أستطيع الوثوق بأي أحد .. أما أنت فمن خلال عينيك ..

سأرى العالم .. لا تقولي أنني أعمى و أنني لا أستطيع أن أفعل …

أنا أعمل كل شيء و لكن أحتاج إلى مدة أطول … صحيح آنني لا أرى .. لكني أفعل …

و بالفعل بدأنا العمل سويا ..

طبعنا ما يسمى بزنس كارت و بدأنا نمر معا على البيوت المحيطة بمنطقتنا و نترك البطاقات في صناديق البريد …

خذيني الى شارع سانت أوبر .. هناك يوجد سلسلة من المطاعم المكسيكية .. سأقوم بوضع البطاقات هناك ..

أما أنا فقمت بإنشاء صفحة للعمل على الفيس بوك ..

كانت من  أجمل و أصعب الأيام التي مررت بها ..

أنا لم أعرف أي شيء عن العمل الخاص .. كل ما قد  عملته  في حياتي سابقا عمل براتب ثابت ….

هذا النوع من العمل  قد يآخد منك وقت لتبني به زبائن .. و البداية كانت رائعة .. كنا نعمل سويا ..

أرتب آنا الملفات و أنظم المواعيد  و أحاسب الزبائن .. و أدفع الفواتير ….و هو  يعمل ..

و عندما يتعب يمرر بعض المواعيد لي … كان و مازال هذا العمل مختلف بكل المقاييس عن كل ما عملت به …

التواصل مع جسد المريض .. تبادل الطاقة بيني و بين المريض …عالم مختلف عن عالم الورق و القلم الذي عهدته ..

و تجربة و صفحة من صفحات كتابي مع الزمن …تعلمت بكندا .. أن عليك .. أن يكون لديك مهنة بيديك …

مهنة تقي نفسك بها  من غدر الأيام . . مهنة تجلب لك  بعض المال الذي  تستطيع تدبير أمورك به …

لأن كل ما جئت من شهادات ورقية .. قد تكتفي بوضعها و الاحتفاظ بها .. في حقيبة آوراقك …

بل إنك ربما تنسى شكل هذه الشهادات و اختصاصك الأصلي ..

و مرت الأيام … كان يمر علينا أسبوعا بلا أي دخل وبلا أي مريض… يجلس يفكر و يفكر ..

و يمسك بالهاتف و بجهاز مسجل صغير يسجل فيه آرقام  الزبائن و مواعيده…

يضغط على الزر و يقرب الجهاز من أذنه .. يسمع الرقم .. يقوم بالاتصال بالزبائن ..

يحدثهن أنه في هذا الأسبوع يوجد عرض خاص .. ساعة مجانية لكل ساعة علاج …

يحاول ترقيع الأسابيع .. أقول له ..هذا متعب جدا عليك .. يقول لا عليك ..

أعمل ساعتين بأجرة  ساعة أفضل من ألا أعمل .. ما هذا الانسان .. لا يتذمر من أي شيء ..

ما أسعده بقناعته … و في الساعات التي لا يكون لدنيا بها زبائن يطلب مني أن أجلب  له بعض الأسلاك

التي تجمعها صديقته  روزماريا … روزماريا صديقته الصدوق .. سيدة مكسيكية عمرها ٦٧ عاما ..

لو طلب منها لبن العصفور .. لبت له طلبه حالا …كانت تتردد من فترة الى أخرى روزماريا ..

جالبة معها أكياسا من أسلاك بلاستيكية و كابلات كهربائية … كم أكره هذه الأكياس ..

لماذا تقوم بتجميعها …

–       كم من الأيام مر علينا بدون عمل …

–       ثلاثة أسابيع تقريبا .. لم يدخل إلينا و لا دولار ..

–       هل من الممكن أن تناوليني الحقيبة السوداء .. في مخزن المطبخ قرب الطاولة ..

–       انها ثقيلة ماذا تضع بها ..

–       افتحيها ..

فتحت الحقيبة و إذا ببكرات متعددة الاحجام من النحاس الأصفر شهقت .. اعتقد ت آنها ذهبا….

–       لا تصرخي ليس بذهب … هذه الكابلات المرمية في الشارع هنا و هناك تقوم روزماريا بجمعها في اول شهر …

و انا عندما لا يكون لدي عمل و في الايام التي يخف بها العمل ..

أقوم بفك الكابلات و اخراج النحاس ولف النحاس على بكرات … و أرسله الى المكسيك و أبيعه بالكيلو ….

يااااااااه ما هذا الرجل …يا الله …كل هذا العذاب لعمل بكرة نحاسية ..

من عدة جرامات و كم من الساعات عليه آن يعمل حتى يجمع كيلو من النحاس …

ضحك قائلا .. في المكسيك .. كل شيء يباع …. لا يوجد ما يرمى في القمامة.

أخرج من جيبه  قطعة من القماش ..  .. ربط قطعة القماش .. حول عيناي ..

و قال .هذا اختبار لك في الحياة … لمدة خمسة  دقائق ..

و آريد منك آن تعيشي  هذا الوقت مع هذه الطمامة حول عينيك ..

و تقومي و تمشي و تحضري القهوة …

بدأت بالحركة و الاصطدام …حاولت أن أتلمس طريق ألة القهوة… وقعت القهوة ..

بحثت عن فنجان القهوة… وضعت الماء الساخن … حرقت آصابعي …مشيت ببطء ..

و كأنني أمشي على البيض …. خفت أن يقع  كوب القهوة الساخن .. آريد آن أصل فقط إلى الطاولة ….

ياه …ما أطول هذه اللحظات ….  كانت الخمسة دقائق كخمس سنوات …

فك عن عيناي  قطعة القماش … قال لي .. حياتك قد تتغير في لحظات …

هذه حالتي منذ ثمانية عشر عاما … و رغم كل شي ..

أحاول أن أتعايش مع وضعي و أرسم هياكل و آشكال و صورا ملونة ..

لكل من أحب… عيشي اللحظات الجميلة .. و لا تتردي يوما في إعطاء السعادة لمن حولك ..

لأنها ستعود إليك .. بأبهى حلة …

.. رؤى يداي هي عيناي … لا أستطيع الجلوس بدون أن ألمس شيء أو بدون أن أشغلهما بفعل شيء …

كم أنت عظيم … إنك مدرسة يا صديقي .. ربما أرسلك الله لي كهدية من السماء ..

لأتعلم منك معنى الحياة … الحياة البسيطة الخالية من العقد و البعيدة عن كل الطقوس

المليئة بعقد المجتمعات التي كنت أعيش بها … تعلمت منك .. حقيقة السعادة …

كنت واهمة … عندما اعتقدت يوما أن السعادة .. سيارة من الوكالة ..

و خادمة في البيت ..و عرس في فندق و ملابس  و مجوهرات..  و موائد ضخمة و ولائم ودعوات …

.. السعادة .. هي القناعة بما تملك … بضحكة طفل يعود إليك …بعد يوم مدرسي طويل …

بقلب يحبك و يخاف عليك … بشخص لا يريد لك الأذى … أن تقتسم مع  من تحب قطعة من الخبز  …..

آن تجد شخص يسمع أنينيك …  .. و يركض نحوك ليتفقد أحوالك …. .. السعادة .. عندما تجد ….

من يفهم جملتك و يفهم مقصدك …. دون أن تغور في التفاصيل  و دون أن تستغرق في الشرح … ..

السعادة أن تجد من ينصت إليك و أن تسهب في الحديث .. وتتكلم و هو يستمع و ينصت …

لكل حروف ينطق بها لسانك ….  .. عندما تتمنى أن يتوقف الزمن في  حضن  حبيب ….

السعادة .. أن ترضى بما كتبه الله لك .. أن تعيش  اليوم بكل ما فيه من جمال ….  …

ألا تفكر ماذا ينتظرنا في الغد .. ..أن تعيش بحالة الشكر و الحمد لكل ما وهبه الله لك من نعم ..

آن تقدر  نعمة البصر و السمع و الشم و اللمس و الكلام . …

السعادة …. آن يكون لديك   صديق  صدوق .. ..يقف بجانبك ..

يدفع عنك الأذى  … السعادة .. هي أنت ..

رؤى الكيال – مونتريال

12\4\ 2017

الوسوم
اظهر المزيد

Roua Kayal

أستاذة في الكيمياء - مدونة سورية من مدينة حمص - ناشطة إعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي - مديرة موقع آهلا بكم في كندا - مهتمة بأمور الهجرة و المهاجرين إلى كندا و كل ما يخص الاندماج في المجتمع الجديد الكندي .. آقدم نصائح من خلال تجربتي الشخصية في كندا .

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق