أحدث المواضيعغير مصنفهذه قصتي

هذه قصتي .. الجزء السادس و العشرون

بقايا حنين

بقايا حنين ..

يخطفنا الحنين .. في هذه الأيام .. يعيدني  الحنين  إلى تلك  الذكريات .. رائحة المخبوزات الشهية … أقراص المعمول

.. تعزيلة العيد …. أسواقه و كل لمات الفرح التي فقدناها ..منذ أن قررنا الرحيل …رحلنا .. و من منا ..

كان يملك قرار البقاء … رحلنا.. مرغمين .. لبناء مستقبل .. ففي وطننا الحزين … لا يملك متوسط الدخل أو الفقير

آو  ممن لم يورثه أهله المال .. أو ممن لا يملك السلطة .. لا يملك سوى .. الحسرة على .. مستقبل .. حلم ..

يسعى له .. ليصل في نهاية الأمر .. أو في غالب الأمر  لا يصل …..اختار البعض وجهة الخليج .. حيث المال و الفرص

عشنا هناك .. أجمل الأيام .. على مرارة الخوف من إنهاء عقود العمل .. آو من قرار إغلاق الشركات  و تسريح العاملين

إلا آننا كنا نعيش في حالة من السعادة … لا أعلم إن كانت هذه السعادة .. مزيفة آنذاك .. على الصعيد الشخصي

.. كنت أسرق  الفرح من  كل الأنحاء … ربما لم يكن الجميع .. في هذه السعادة  ..

فخلف تلك الضحكات و القهقهات  هناك آهات الخوف .. من المجهول .. من المستقبل ……

لكن كنت في كل مرة أجلس بها بجوار أحد .. أصنع من أبسط الأدوات قوالبا من السعادة على

هيئة قلوب من الحب…

..كنا نعيش طقوسنا  ….طقوسنا الدينية ..  احتفالاتنا … و حفلاتنا … كانت بيئة تشبه إلى حد

كبير .. بيئتنا ….هذه الأيام .. هي أيام عيد … في كندا .. و منذ خمس سنوات .. لم أعرف طقسا

من طقوس العيد … حتى ابني ..أحاول جاهدة .. أن أشتري له  بعض الملابس .. لأشعره بأننا لازلنا

ننتمي إلى تلك الثقافة …لكن من مرور الوقت …و بعيدا عن الأهل .. لا قيمة لأي شيء مهما كان جديدا ..

و حتى أوهم نفسي أني في عيد .. طلبت إجازة في هذا اليوم … لأجد نفسي أنني في يوم عادي .. يشبه كل أيام

العطل … الأخرى….

طقوسي في العيد أصبحت مختلفة جدا ….  ففي كل  عيد .. و منذ أن وصلت كندا .. لي ساعة أجلسها مع نفسي

لأنبش في حقيبة الذكريات المليئة بالقصص و المغامرات ….

من عادتي … عندما أتعلق بشخص ما صديق أو حبيب أو قريب … أطلب منه .. أن يعطيني .. ذكرى …شيء يحبه

أو يعز عليه …   هذه الذكريات  لممتها خلال سنوات حياتي .. و وضعتها في حقيبة .. أسميتها حقيبة الذكريات …

امتلأت هذه الحقيبة بالكثير من الأشياء  الغريبة ….

حقيبتي مثيرة جدا …ففيها الكثير من الأسرار …لا أستطيع أن أفتحها دون أن أكون على موعد مع بعض الموسيقى

التي جمعتني بكل هذه الذكريات .. هذه الموسيقى أرتبها في حافظة حاسوبي بتسلسل عجيب …..

أقفل باب غرفتي … لا أريد أحدا آن يعرف أسراري … أريد أن أعود إلى سنواتي السابقة ..دون أن ينغص علي ذلك

المستقبل آو هذا الحاضر أي لحظة من لحظاتي الجميلة ….

أخيرا .. أنا في أمان ….آخذ نفسا عميقا .. أتلفت يمينا يسارا .. لا أعرف لماذا أتلفت .. لماذا يخفق قلبي .. في كل

مرة أجلس بها أمام تلك الحقيبة …

أضع وشاحا و أغمض عيني … أحاول أن أتحسس و أتعرف على ما خبأته في تلك السنوات دون أن آراه ..

إنها لعبتي المفضلة … أدخل يدي .. أتلمس … شيء حريري …  ناعم الملمس …  أشمه … .. الله .. لازالت رائحتها

هنا ….. عرفتها …. صديقتي  و حبيبة كل اللحظات ….

هذا الشال .. طلبته من ابنتها بعد وفاتها …. قلت لها أعطني  آخر شيء كانت تلبسه .. أريد آن تبقى رائحتها …

فيه … شيء من أثرها ..تلك  الجميلة التي رحلت سريعا …  قتلها السرطان خلال أشهر …. جمعتني بها أجمل

اللحظات … كانت جميلة جدا .. لديها روح الفكاهة .. لا يمكن أن نجلس سويا ..إلا و تملأ قهقهاتنا المكان …..

لدرجة أن المدير كان يتضايق من التصاقنا ببعضنا  و يحاول دائما التلميح  بأن صوت ضحكاتنا التي  لا تنتهى تصل لمكتبه الموقر

فرقني الموت عن أعز صديقة … تذكرتها في لحظاتها الأخيرة…..في ذلك اليوم ..  تسلسلت إلى غرفة العناية المركزة

طلبت يومها  من الحارس و توسلت إليه أن أدخل فقط دقائق لأراها قبل الرحيل …. دخلت إليها كانت متعبة منهكة

جدا ….أمسكت بيديها و قلت لها .. ستخرجين من هنا .. لا محال …مازال ينتظرنا الكثير خارج هذا المكان …

قالت لي .. أنا جائعة .. لكني لا أستطيع الأكل … أحب المحشي … طيب .. آختك طبخت لك .. محشي كوسا ..

سأطعمك أنا … فتحت فمها ..  قضمت قطعة صغيرة من  الكوسا .. قالت :

( طيبة  بس ما بقدر ما بقدر )  …قرأت لها بعض الآيات .. و آنا أمسك يديها بشدة و أعرف أنها لحظاتها الأخيرة …

مسحت بيدي على رأسها و قبلت يداها … قبلت رأسها …  أغمضت عيناها …. نامت …. ثم بعد ساعات ماتت …

لم أخف .. من الموت و لأول مرة …. ومنذ ذلك الوقت … قتلت ذلك الخوف  من الموت الذي كان ينغص علي طفولتي

.. الخوف  الذي كان يستعمله أساتذة الدين و الأهل و الأقارب .. إن عملنا ذنب … فالموت قادم .. لا محال ….

و ستحاسبون ..  ستحرقون .. ستلتف على أعناقكم  كل الحيات و ستأكل أجسادكم العقارب ..ستطرقون

بمطارق يسمعها أهل السماء و الأرض ….

كسرت و قهرت الخوف … دخلت إلى غرفة غسيل الموتى …. غسلتها ..

بل و كفنتها بيداي .. ثم زففتها إلى مرقدها الأخير …كانت جميلة .. رائحة

المسك .. تفوح منها … كانت كالعروس بيضاء .. ناصعة نقية …ماتت هناك

.. و لازل طيفها  هنا معي … وشاحها و رائحتها الحبيسة … في تلك الحقيبة … رحمة الله عليها ..

حاولت أن تخطف الحياة .. فخطفها الموت …..

أعدت الوشاح الحريري .. و آدخلت يدي مرة أخرى في حقيبة الذكريات … إنها أوراق …. يا إلهي يوجد الكثير من

تلك الأوراق ….سأفتح عيني الآن … علي أن أقرأ ….ماذا كتب لي …..

إني خيرتك فاختاري .. اختاري الحب آو اللاحب فجبن ألا تختاري …. إلى نهاية القصيدة ….كنت في الثامنة عشرة من العمر

هذه القصاصة .. تركها لي شاب أحبني ….لم يكن  في ذلك الوقت  .. لا موبايلات و لا هواتف نقالة …. كان يلحق بي

.. إلى طريق المدرسة .. بل كان يوصلني يأخذ السرفيس .. و يجلس بجانبي و أنا في حالة من الخوف الشديد  آن

يراني أحد.. فلن يرحمني أحد .. إن رآني.. أجلس بجانبه .. في السرفيس ( باص صغير) .. يقول بسرعة

( ليكي الرسالة .. بتلاقيها تحت آول شجرة  على ايدك اليسار … حاطط فوقها ٣ حجرات علامة .. و معلم ع الشجرة

حافر حرف اسمك ..) … يومها .. ذهبت و انطلقت …بل طرت  إلى تلك الشجرة …. بحثت عند كل الشجرات ..

كل الجذوع محفورة .. بقصص الحب …. وجدتها … إنها هنا … هذا خطه .. آعرفه تماما … خط سيئ  جدا ….

قرأت .. قصيدة  حب ووعودا بالزواج  و أحلام وردية …. يا لجمال هذه الكلمات … . طرت من الفرح .. فحبيبي شاعر

ثم ما لبثت أن اكتشفت أنها قصيدة من قصائد الحب لنزار قباني …. يا له من كاذب … لا أريده ….

لا بأس ..  لنرى شيئا آخر …. قصاصة  أخرى  .. كتبتها أمي … عنوانها .. (أنت تغيرت ) …سرقتها من دفتر ذكرياتها .

أمي كانت كاتبة بل و شاعرة … لا يمكن أن ينافسها أحد في الكتابة و في فن التعبير ….لطالما شعرت بالغيرة منها

فقدرتها على سبك الشعر و رصف الكلمات … لا يمكن وصفها .. لم أملك هذه الموهبة .. و لن أملكها ما حييت

كتبت خاطرة  تقول فيها  … أنت تغيرت … قرأت كلمات أمي التي كتبتها  منذ ثلاثين عاما …. على الأرجح

و كأنها …تصف حالي الآن .. فكل محاولتي بمقاومة التغيير الذي حل .. بي …إلا… أنني تغيرت … بل و تغيرت كثيرا

… أمي تحدثت عن نفسها … و كأنها تتحدث عني اليوم…. شيء عجيب …. هل تنتقل الأرواح بين البشر ..

أم أن التاريخ يعيد نفسه .. كما يقولون …. .. أمي كتب عن نفسها … لكن في كل جملة .. كانت  تقصدني الآن ….نعم تغيرت

يوجد الكثير من الأشياء .. في حياتنا لا نستطيع أن تغييرها .. العائلة .. الزوج .. الأب .. الأم …. الأخوة .. الآبناء…

الدين .. المعتقد… المورثات الثقافية .. من الصعب تغيير ما لا نملك الحق في تغييره … فنعيش في حالة من الحرب النفسية

بين ما يمليه العقل و ما يسمعه القلب … لا تنتهى هذه الحالة .. إلا .. إن أصبحت  من المُسلّمين  آو المستسلمين ..

لكل  ما ورثته خلال سنوات حياتك  ….

اختلافي عن الكثيرين ربما لأنني  لا أحب أن أكون نسخة مقلدة .. عن أي  شيء .. عن أي أحد … قد أكون مخطأة ..

أو مصيبة لا يهم …كل ما أعرفه  أنني أصبحت أكثر صلابة و صلادة ….لم يعد الجانب العاطفي يعني لي شيئا ..

و لم تعد  خطابات التخويف و التهديد … تعنيني أو تؤثر بي … نعم .. يا أمي .. أنا تغيرت …. و أنت تغيرتِ …و كل من وعدني

.. بأنه لن يتغير …. تغير …. سنة الكون .. أو الطبيعة .. أو هي سنّة ُ البشر …. كلهم يتغيرون …

 

رؤى الكيال – مونتريال

20- 08 -2018

حقوق النسخ و النشر محفوظة لموقع أهلا بكم في كندا

 

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

Roua Kayal

أستاذة في الكيمياء - مدونة سورية من مدينة حمص - ناشطة إعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي - مديرة موقع آهلا بكم في كندا - مهتمة بأمور الهجرة و المهاجرين إلى كندا و كل ما يخص الاندماج في المجتمع الجديد الكندي .. آقدم نصائح من خلال تجربتي الشخصية في كندا .

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق