هذه قصتي

هذه قصتي …. الجزء العاشر

هذه قصتي .... الجزء العاشر

التحقت بالكولج التابع لوزارة المهاجرين و طبعا بدأت بالمستوى الثاني باللغة الفرنسية
و نتيجة لانقطاعي عن الدراسة
خمسة شهور .. أحسست نفسي و كأنني بدأت من جديد …
كان علي ان أعيد كل ما كنت قد درسته في المستوى الأول فأصدقائي في المستوى الثاني كانوا يتكلمون الفرنسية
و بكل طلاقة و هذا ما سبب
إحباط لي …فرغم ساعات الدراسة الطويلة الا انني لازالت غير قادرة على التواصل مع الأصدقاء في الصف …
لكني سأحاول و أحاول فأنا لا أعرف اليأس أبدا…. ربما لا أنال ما تصبو إليه نفسي بسهولة….
لكن و بعد عدة محاولات أصل للهدف… حتى لو فشلت في المحاولة …
و عادة في كل أموري لا أنجح إلا في الجولة الثانية … لا يضرني عدد المحاولات ما يهمني النتيجة …
سأتكلم و لو بلغة مكسرة محطمة سأستطيع الكلام ….
كنّا محظوظين بمعلمة رائعة جعلت من هذه اللغة الثقيلة الدم خفيفة على القلب فأسلوبها يشد
و خفة الروح و احترامها للوقت … ما هذه المخلوقات العجيبة ….
إنهم مبرمجون على الوقت لا يمكن و باي حال من الأحوال ان تصل متاخرة حتى و لو اجزاء من الثانية ….
تحاول الترحيب بالجميع و ترحب بالتنوع الثقافي الذي يملأ الصف على اختلاف انتماءاتهم …
كانت أغلبية الطلبة من أمريكا اللاتينية هذه الدول التي لم أكن أعرف منها سوى البرازيل ….
هناك الكثير و الكثير ن أبناء هذه الجالية من الأرجنتين و كولومبيا و الأورجواي و البيرو و السلفادور
و فنزويلا و المكسيك كما كان معنا طلاب من ايران و اليمن و تونس ….
في الْيَوْمَ الأول كان يوما للتعارف و كان بالنسبة لي أمر مشوق أن أتعرف على عرقيات
و أجناس لم أكن على صلة بهم …فكل ما كان يحيط بي في أبوظبي من الهند و الفلبين
و طبعا هؤلاء هناك أصبحوا مننا و فينا كما يقال…مر الْيَوْمَ الأول بكل سلاسة
و كنت جدا سعيدة فلقد تخلصت من عبء المواصلات العامة و محطات الباص التي تضيع الكثير من وقتي …
أنا الان اذهب بسيارتي العجوز الفضية التي اشتريتها مرغمة …
لأني لا أملك المال لشراء سيارة جديدة …
أيام العز انتهت … هنا في هذه المدينة ترى سيارات من العصور الحجرية ….
بعضها مرقع و اخرى مبرقشة و منها ما يثير الشفقة و كلها تمشي لم اعتد على هذه الأنواع من السيارات …
هناك لم أكن ارى سوى الجمال و الفخامة ….
مع مرور الوقت بدأت عيناي تعتادا على رؤية الناس ذوي الدخل المحدود…
الوسطية هي الخيار الأمثل لتساوي الجميع و لراحة الجميع لا طبقات و لا فوقية من يعمل
و يكسب أكثر يدفع ضرائب أكثر .. رأيت فيه نظاما اجتماعيا أقرب ما يكون لنظام التكافل الاسلامي الذي قرأت عنه يوما ما …
ما كان يثير في نفسي الضحك و السخرية أحيانا كيف لهذه الشعوب التي لا تحترم القوانين
بل تخترقها كيف تقف بصف طويل و طويل بانتظار الدور للصعود في الباص أضحك من كل قلبي ….
يتحول الجميع إلى أشخاص مهذبين … يحترمون المرأة و الطفل و الدور و الصف ….
فهذا الذي كان يتشبث بمكانه في الباص و كأنه قد كتب باسمه عند الولادة
تراه ما إن وقعت عيناه على امرأة عجوز يقفز
كالأرنب ليظهر حضارته في التعامل مع تلك المسنين ..
في الكولج بدأت ممارسة هواية جديدة و هي مراقبة الناس و تتبع الوجوه ،،،
ربما أَجِد في تلك الوجوه شيء يشبهني يشبه ماضي أو حاضري …..
ما كان يزعجني حقا هو أنني كلما قلت أني وحيدة مع ابني
و زوجي يعمل في الخارج أرى في وجوه النساء ملامح الشفقة علي يشفقون على هذه الصبية
و لا سيما الأصدقاء العرب يرمون كلمة من هنا و اخرى من هناك …
واحدة تجلس أمامي لتعطيني دروسا في الدين و أنه لا يجب على الزوج أن يترك زوجته أكثر من ثلاثة شهور ….
و أخرى تعطيني دروسا في كيفية استغلال الزوج و طرق مص دمه على حد تعبيرها
حتى لا يكون لديه فرصة باللعب من وراء ظهري …. أما الإخوة و الزملاء العرب
و طبعا لا مكان للتعميم هنا فكل منهم يحاول أن يبدي وجهة نظره و أنه هو الصح
و أنه مستعد لمساعدتي إن احتجت أي شيء وفِي نظرات عيون كل واحد فيهم سهام تريد أن تخترقني …..
….كان أول أسبوع لي فرصة للتعرف على الإخوة العرب و طريقة تفكيرهم …
لا يمكن أن أكون قريبة منهم أنا لا أشبههم … لا أستطيع أن أكون نسخة عربية مهترئة
فهم يجتمعون على الثرثرة و إظهار العضلات …وهذا لا يناسبني حتى إنهم منطوين على أنفسهم
يحاولون الابتعاد عن الجميع لم أكن أستطيع تفسير اختيارهم للجلوس بالزوايا … أو أنها تربية الأنظمة العربية …
يتحدثون عن لحم الخنزير و الخمر و و عن هذا المجتمع الفاسد … انظر لهذه الساقطة ماذا تلبس إنها مثيرة …
و بعد خمس دقائق أراه يجلس بجانبها يحاول أن يستجدي حسنها
…. لا يمكن أن يخرجوا من هذا النفاق …..
سئمت العرب ……و سئمت حديثهم….. اخترت أن أجلس مع شابة من اليابان هذا الشعب محترم
و سمعت و قرأت عنه الكثير فتاة من عمري … لطيفة رقيقة تكاد لا تسمع صوتها منظمة بأدق التفاصيل …
طبق الغداء الذي كانت تتناوله قطعة فنية …. كانت سايكو و يونس الإيراني أصدقاء الغداء
لاسيما أننا نحاول التكلم والتدرب على المحادثة…و هما آيضا مجتهدان .. انا آحب رفقة المجتهدين …
آلتصق بهم لآتعلم منهم ..هذا النوع من الناس يضيف إليك شيئا جديدا … يغذي فكرك ….وروحك …
و في احد الأيام دخل الصف طالب جديد … شاب مكسيكي يضع نظارة سوداء على عينيه …
و معه عصا حمراء يثنيها بمهارة فائقة جلس و بكل ثقة بدأ يتحدث عن نفسه
و بطلاقة أذهلت الجميع اسمي خوسيه انطونيو من المكسيك عمري تسع و ثلاثون عاما
أنا أعمى فقدت بصري في حادث سيارة ….عندما كنت في الثانية و العشرون من عمري
…. كنت طالبا في كلية الطب و كان لدي حلم مثل أي شاب في عمري
… يضحك و يمزح و كان الحياة لم تأخذ منه شيئا
.. خفيف الظل… مرح … استطاع و خلال ساعات أن يلم حوله جوقة من الأصدقاء اللاتينيون….
في صباح كل يوم أمر من خلفه… أسلم عليه فينظر لي و يلقي علي تحية الصباح و خلال يوم واحد
استطاع أن يحفظ و يميز أصوات جميع الطلاب في الصف … كنت احاول الابتعاد عن هذه المجموعة
ربما خوف من الاخر أو فوبيا من أي شيء جديد يعكر علي صفو المرحلة يكفيني صديقتي اليابانية و صديقي الايراني …..
و ذات يوم … دخلت الصف…. مررت من خلفه…. جلست في مقعدي البعيد …. اذا به يقول كيف حالك رؤى ؟؟
آما أنا فلم أنطق ببنت شفة ……فتحت عيني و اختنقت كيف عرف أنني انا رؤى
– الحمد لله انا بخير و انت كيف حالك؟؟
– انا بخير لكن ألم تعلمك والدتك اذا دخلت مكانا ما أن تلقي التحية ؟؟
تمنيت لو أن الأرض ابتلعتني أحسست أنني أخطأت في حق هذا الانسان الطيب.
– صحيح أني أعمى العينين و لكن اعرف من خطواتك انك انت من دخلت الصف
اعتذر منك يا صديقي فأنا الْيَوْمَ لست على ما يرام انا الْيَوْمَ في قمة الحزن
اهلي تحت النار واليوم لم تهدئ الطائرات بقصف مدينتي … أمي و اخوتي لا معين لهم.
الا الله لم أنم جيدا و بدأت بالبكاء….. أمسك بيدي و اخذ يبحث عن عصاه استند على كتفي و أخرجني من الصف …. تماسكي قليلا مشى بي الى يمينا يسارا الى الباب الرئيسي ….حتى وصلنا الحديقة ……
ابحثي عن شجرة القيقب …. نعم إنها القيقب …. بدأ يتحسس جذع الشجرة و يدور و يدور و انا آدور خلفه ….
لا اعرف ما الذي يبحث عنه؟ حتى أني لا افهم كثيرا الفرنسية … هنا تعالي هنا!
أمسك برأسي و ادخله في ثقب كبير في جذع الشجرة ….
كنت كالعبد الذي ينفذ أوامر صاحبه قلت بفرنسيتي المكسرة لا يوجد شيء هنا؟؟؟
قال يوجد كل شي ء! ….
اصرخي بأعلى صوتك و ابكي بكل ما أوتيت ِ من قوة .!!!!
.. أريد أن يهز صوتك هذا الجذع …. أريد أن تسقط صرخاتك أوراق الشجر ….
نظرت داخل الجذع و انا ارجف … اخاف ان يخرج السنجاب و ينهش وجهي بمخالبه ….
صرخ في وجهي لا تخافي نفذي ما أقوله لك …. أمسك بيداي و لفهما حول جدا الشجرة …
لأول مرة عرفت عناق الشجر!!!! كنت اتسلق التوت في بستان جدي لكن لم اجرب معانقة الآشجار…. ً..
اصرخي و قولي و اذا أردت استخدمي كل مفردات السباب بكل اللغات …
و ما إن تاكدت من عدم وجود اَي شي في ثقب الجذع أغمضت عيني
و صرخت بكل ما أعطاني إياه الله من قوة صرخت و بكيت الى ان تقطعت أحبالي الصوتية …
يالله أين أنت ؟ أريد أن أتحدث معك ؟ ألم تقل ادعوني استجب لكم ؟ كم من دعاء مظلوم ألا تصلك رسائلنا؟
ألا يكفيك غضب علينا ؟ هل نحن لهذا السوء لتسلط كل سخطك علينا ؟ ألم ترى الجثث المحروقة ؟
ألم ترى الأم المنكوبة بأربع شباب ماتوا دفعة واحدة ؟؟ ألا تصلك رائحة مدننا التي أصبحت مدن اشباح ؟
يالله …. ! بكيت و صرخت حتى الإغماء … سقطت على الأرض سمعت صوته يقول
أين انت أخذ يبحث عني كنت احس بيداه على الأرض تريد رفعي لكني صوتي اختنق ربما لم أعد قادرة على الكلام مرة اخرى …. اخرج من حقيبته علبة عطر و أخذ يرش حول وجهي لكن قواي منهكة لم أتناول شيء
منذ بدأ القصف على مدينتي و انقطعت اخبار ما تبقى لي من عائلة مدة ثلاثة أيام
سمعت صوت سيارات الإسعاف و أنا على الأرض .. انا في غيبوبتي لا اسمع سوى لغة غريبة ماذا يريدوا ان يفعلوا بي؟؟ بدؤوا بإعطائي الأوكسجين قالوا له لابد ان نذهب للمستشفى … قال سأرافقها ..
و دار حديث بينه وبين الشرطية لم أفهمه ….فتحت عيناي و انا في حالة رعب أحمد ابني أين ابني …
قالت لي الممرضة صديقك اتصل بالمدرسة و أحمد الأن برفقة زوجته …
قال لي أحمد مع فرناندا ذهبت زوجتي لإحضاره من المدرسة …. انت بخير ….
انت الآن على ما يرام ….إنها نوبة عصبية لكن ستكوني بخير يا صغيرتي …. انا معك ….
لست وحدك …. نحن عائلتك …. نحن عائلتك …لا عليك لا عليك … نظرت اليه….
عينان صغيرتان غائرتان في بحر من الظلام …. وجه كبير متنوع الملامح …. جسم ضخم ….
وعصا يستند اليها بجسمه الثقيل كل هذا ….وهو يحاول مساعدتي …
من هذا الكائن يا الله ….؟؟
لابد أنه ملاك الرحمة الذي كنت أنتظره في هذه البلاد الباردة….
قال لي هل تريد ان تكلمي زوجك قلت نعم لكن لا اريد ان اخبره بما حصل اخاف عليه من اَي صدمة….
قام بالاتصال بزوجي .. و طمأنه أنه و عائلته برفقتنا اليوم ….
عدت الى البيت …. الان ارتحت ابني في أحضاني الحمد لله …
قبلت يداه و قدماه و قلت له سامحني لن أعيدها مرة اخرى أعدك أن أكون الأم الذي تريد….
سآكون … آعدك بكل جوارحي …. سآكون …. و سنكون ….وسيكون ….
رؤى وليد الكيال …
مونتريال …
السبت 19 \ 11 \ 2016
الساعة 10 :45 مساء
حقوق الملكية و النشر محفوظة …
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق