هذه قصتي

هذه قصتي .. الجزء العشرون ..

هذه قصتي .. الجزء العشرون ..

هذه قصتي الجزء العشرون …

لم آذرف هذه المرة الدموع …. و لم يؤلمني الوداع .. صعدت إلى الطائرة   و أنا بغاية السعادة ..

و كأنني سأعود للوطن .. تحايلت على ابني أن أجلس بقرب النافذة … أردت الحديث مع نفسي ….

بل أردت التحدث مع الله … أريد أن أعانق السماء

أريد البوح .. بكل ما   يخفيه قلبي … من أسرار … تأملت الأرض و هي تبتعد عن عيناي ….

و تذكرت تلك اللحظات التي .. خرجت بها من سوريا …. خرجت من سوريا ؟؟؟؟…

بل هربت من سوريا …هربت من نفسي إلى نفسي …. هناك حيث يمكنك أن تكون أي شيء …

إلا أن تكون أنت …. عليك أن تخضع لقوانين اجتماعية و تقاليد و عادات …ابتدعها البعض ..

عليك أن تمشي عليها و ألا تتعداها .. و إلا .. حكم عليك .. بآحكام مطلقة …. بل أحكام عرفية ..

مجرد لأنك تختلف عن هذا المجتمع …. تذكرت حمص … تذكرت .. ذلك الرجل ذو العينان الصغيرتان …

اللتان تشبهان عيناي سنجابي في كندا .. هو .. من دفع بي … إلى … الثورة على النفس بل على المجتمع ….

تذكرت .. و تذكرت … كل ما مر بي … و كأن شريط الآيام يعود من جديد …

كنت في طريقي في الثاني من أكتوبر عام 2001  إلى البريد المركزي في حمص …

أود إرسال صورة لجواز سفري لأختي حتى تستطيع أن ترسل لي فيزة زيارة  لأبوظبي ….

وإذا بمجموعة من الناس .. تتحلق حول رجل قصير القامة .. نحيل الجسد … يحمل على ظهره …

حقيبة تشبه حقائب الرحالة .. عينان صيغرتان غائرتان …. وجه يملأه التجاعيد … بشرة سمراء ..

سمارها لا يشبه سمار بشرتنا … في آذنه .. اليمنى … يضع حلقة …

و يلبس بنطلون جينز أزرق مهترىء و قميصا قطنيا .. لونه زهري باهت .. تدلى من رقبته ..

كاميرا تبدو .. احترافية … . شكله كان غريبا على آبناء مدينتي …. كان يقف قرب البريد …

و يؤشر بيديه . تارة و تارة يفتح كتابا صغيرا اكتشفت فيما بعد أنه .. معجما يحاول أن يوصل ما يريد ..

إلى جمهرة الناس التي تقف حوله …

اقتربت منه .. سألته باللغة الإنجليزية ..

  • هل تتحدث الإنجليزية ..
  • اه نعم .. آنا آمريكي .. اتحدث الإنجليزية .. آرجوك آنقذيني أنا خائف جدا …
  • لا تخف .. أنا هنا .. أنا اتحدث الإنجليزية و بطلاقة .. لا تخف سآقوم بمساعدتك …
  • آرجوك آريد فقط أن أصل إلى بنك لآستبدل الدولارات بليرات سورية ..
  • لا عليك .. سأخذك .. و فعلا .. انسحبت قليلا أنا و هو … و كانت عيون الناس ترمقني بنظرات غريبة ….
  • من هذه و كيف تمشي مع هذا الغريب …

مشينا بسرعة لنخرج من تجمع الناس … قلت له الآفضل آن نخذ تاكسي .. هذا آفضل حل ..

لأنني لاحظت بعض الشباب حاول اللحاق بنا ….

و فعلا آخذت تاكسي و ذهبنا لبنك قريب وقام باستبدال النقود التي معه إلى ليرات …

و بعد أن أنهى ما آراد .. سألني .. عن الطريق .. إلى تدمر و عن الباصات التي توصله لتدمر ..

قلت له … هي محطة الباصات العامة .. يوجد العديد من شركات النقل …

تستطيع الحجز مباشرة  على أي رحلة و بمبلغ لا يتجاوز الخمس و عشرون ليرة ..

  • سيدتي .. أرجو أن تقبلي دعوتي لشرب كآسا من العصير ..
  • في آي مكان تختارينه كنوع من الشكر لكل ما قدمتيه لي ..
  • لقد أنقذتيني … كنت خائفا جدا ..
  • لا عليك …. لا يوجد ما يخيف .. هنا  .. أنت في أمان ..

جلسنا على طاولة …. في زاوية في أحد الكافتيريات .. كان شكلي جدا غريبا …

فهذه الفتاة التي تلبس الطويل المستتر ..ما الذي يجعلها تجلس مع هذا الرجل الآجنبي ..

ذو الحلقة … عيون الناس كانت تأكلني .. لكن فضولي لأعرف .. عن هذا الرجل ….

جعلني … لا أبه .. لكل تلك العيون ….

  • اسمي .. فيرنادو بيرنار … عمري .. خمس و خمسون عاما ..
  • أعمل في برج المراقبة في مطا ميامي بولاية  فلوريدا .. في الولايات المتحدة الآمريكية …
  • أصولي من نيكاراغوا .. .. لكني أمريكي المولد … مطلق  لأن زوجتي لم ترد يوما أن تنجب ..
  • مخافة آن   تتغير خارطة جسدها … فضلت التبني .. و رفضت أنا .. و كان الطلاق .. .
  • أعيش مع كلب و ببغاء .. في هذا البيت … وأخرج من حقيبته .. ألبوما من الصور …
  • ياه… يذهب للسياحة و معه ألبوم من الصور .. صور بيته و ببغاؤه .. و كلبه ..
  • و صور بعض الفتيات الجميلات … اللواتي يقوم بتصويرهن .. خلال جولاته السياحية .  …
  • أخذ يشير إلى كل صورة و يشرح و يتحدث و كأنه عقدة لسانه قد فكت …لم يصمت ..
  • خلال الجلسة … آبدا … قال  :
  • خرجت من أمريكا بعد احداث ١١ \ سبتمبر \٢٠٠١
  • و قد حذرتني الحكومة الأمريكية من السفر للشرق الآوسط بسبب انعدام الأمن في بلدانكم ..
  • إلا أنني صممت على السفر على مسؤوليتي ووقعت ورقة للعمل
  • و الحكومة أنني المسؤول الأول و الأخر في حال تعرضت لأي شيء…
  • جولتي   ستتضمن سوريا و الأردن و لبنان و إسرائيل .. هنا .. وضعت يدي على فمه .. وصرخت …
  • اصمت .. لا تذكر هذا الاسم هنا آبدا … قل فلسطين .. و لا تقل إسرائيل آبدا …
  • آسف .. آسف .. فلسطين .. كما تريدين ..

بدا عليه الشحوب .. .. و الخوف … لكن … سرعان ما شرحت له آننا في مكان مفتوح

و أنه من الأفضل ألا نتحدث بالسياسة خوفا من أي شيء . فهنا في هذا البلد …

لا يحق لنا أن نتفوه ببنت شفة .. علينا إغلاق الفم و العين و الآذن ..و ألا تتفوه بأي شيء ..

و ألا تنتقد من سياسة الدولة أو الحكم و إلا … سنصبح .. في خبر كان …

  • – دعنا من هذه الأحاديث و خبرني عن نفسك أكثر ..
  • آنا آحب الصور و التصوير و أعشق السفر و.. وآعشق ذيول الطائرات …
  • آصور الكثير من  منها من برج المراقبة .. في مطار ميامي في فلوريدا …
  • آحب  تصوير الناس .. زرت أكثر من مائة و خمس و خمسون دولة .. وأخرج لي .
  • جوازات سفره القديمة و الجديدة و بدأ يقرآ لي بعض الأختام….
  • واو …. سوف أسميك ابن بطوطة .. الأمريكي …
  • لماذا تبدو عليك ملامح الحزن .. والخوف …و مالذي كنت تودين فعله في مبنى البريد …
  • هل أنت من هواة جمع الطوابع .. لدي الكثير من الطوابع البريدية …
  • كنت ذاهبة لإرسال هذه الرسالة لأختي .. يحتوي هذا الظرف … صورة عن جواز سفري …

فتحت الظرف و أخرجت صورة جواز السفر ..

  • هل آستطيع الاحتفاظ بها .. لو أحببت يوما دعوتك لزيارة مدينتي في أمريكا .. .. ستفيدني هذه الصورة …
  • لا بأس .. سأرسل نسخة أخرى لأختي ..
  • حدثيني عن نفسك .. و لماذا هذا الحزن .. في هذا الوجه الجميل ..
  • جميل .. ضحكت … لم أسمع هذه الكلمة … منذ زمن .. حتى ممن أحببت …
  • اسمعني جيدا … في هذا المجتمع .. لا يجوز لاثنان لا تربطهما أي علاقة رسمية كزواج آو خطبة ..
  • بالجلوس لفترة طويلة … فأنا مخطوبة … و خطيبي لو شاهدني ..أجلس معك … لن تكون ليلتي هادئة .. و بدأت عيناي تدمعان ..
  • ما بك .. ما هذا الخوف الذي آراه في عينيك .. لا يجب أن تكون علاقات الحب مبنية على الخوف …
  • أنت جميلة .. انظري إلى نفسك في المرآة .. تستحقين .. من يحقق لك السعادة .. لا الخوف …

  • هل تعرف … يوما .. ما قالها لي ..: انظري إلى نفسك في المرآة جيدا .. و احمدي الله أنك ُخطبتِ ..
  • فآنا سمراء .. و حظوظ السمراء في بلادنا في الزواج .. قليلة .. في هذا المحيط .. تحكمنا الآلوان ..
  •  ألوان البشرة .. لون العيون .. كل ما تحمله في جعبتك من ثقافة .. في مهب الريح .. مقابل ..
  • فتاة بيضاء طويلة شقراء خضراء آو زرقاء العينين ..

هل تعلم .. ربما أرسلك الله لي .. فقط .. لأكون قوية … في اتخاذ القرار …

قرار  فك هذه الخطوبة الملعونة .. و الخروج من هنا   …

– علي العودة .. إلى المنزل .. آتمنى لك رحلة موفقة و سعيدة ..  ستحب سوريا كثيرا ..

فيها الكثير  الأثار .. و الطبيعة الجميلة ..

انحنى على ركبتيه أمام الجميع .. في موقف بدا لي جدا غريب … لم آعتد على هذا الحركات من التقدير …

و قبل يدي

وقال لي … آشكرك من كل قلبي .. أنا سعيد بمعرفتك .و آتمنى آن تستمر صداقتنا … أتمنى لك السعادة ..

لأنك تستحقينها …. نصيحتي لك … حبي .. نفسك قبل كل شيء ….إنك تستحقين الأفضل ..

و فشل علاقة في الحياة .. لا يعني نهاية الحياة … على العكس .. هي فرصة من الله .. يعطيها لنا ..

لنعيد ترتيب أوراقنا بشكل صحيح .. و نعيد .. إلى أنفسنا التوازن … آخرج من حقيبته بطاقة بزنس فيها كل معلوماته …

و آعطاها لي .. قائلا ..هذا هوي ايميلي ..تستطيعين آن تراسليني عبر هذا الايميل ..

آمسكت البطاقة و كأنها كنز .. كززت على أسناني .. و آغلقت الحقيبة ..

بكل ما آوتيت من قوة وضعت البطاقة في مكان سري لا يستطيع أحد الوصول إليه …

  • آعدك أن تستمر صداقتنا .. لسنوات و سنوات .. شكرا للطف كلماتك و جمالها …سآراسلك حتما .. و سآرسل لك إيميل بكل جديد …

وصلت البيت و أنا آلهث من الخوف .. و كأنني قمت بارتكاب جريمة ..

كنت خائفة جدا .. لدرجة أنني لم أكلم أحد .. آغلقت باب غرفتي .. جيدا .. و قفت أمام المرآة .. طويلا ..

نظرت .. إليها .. نظرت لنفسي … فرناندو على حق … أنا فعلا ..

أستحق الأفضل …

و بعد مرور عدة أشهر … من خروجي من حمص ووصولي لأبوظبي .. وصلني ايميل موقع باسمه ..  يقول فيه :

 

  • للمرة الثانية .. أنقذت حياتي … كنت في طريقي للدخول على أحد المعابر اليهودية بين الآردن و إسرائيل .. .
  • لكن الضابط عندما عرف أنني قادم من سوريا قام بتفتيشي كثيرا .. ووجد في حقيبتي صورة جوازك السفر …
  • ذات الصورة التي تضعين بها الغطاء الآسود .. سألني عنك .. قلت له .. هي صديقة .. تعرفت عليها …
  • في سوريا .. لم يقتنع بكلامي … … قال لي .. لن أسمح لك بالدخول …. احتفظ بصورة جوا زك السفر ..
  • لساعات و عاد …..  قائلا … لي … لن أستطيع السماح لك بالدخول .. عليك العودة من حيث أتيت …..
  • حملت حقائبي و عدت بالباص و بعد نصف ساعة من عودتي … سمعنا صوت انفجار قوي …
  • في نقطة التفتيش …حمدت الله أنني لم أمر .. على هذا المعبر .. .. لقد أنقذت حياتي …
  • للمرة الثانية … أقول لك .. شكرا يا صديقتي ..

لقد كتب الله لي عمرا جديدا .. و كان جواز سفرك  هو المنقذ  …

هبطت الطائرة  في مطار مونتريال .. ما أجمل هذا الشعور .. شعورك .. بأنك عدت ..

لأرض الوطن … الوطن الجديد الدافئ الحنون رغم قساوة شتائه ….

هذا  الوطن  الذي يقبل أبناؤه على اختلاف مشاربهم .. و ألوانهم ..

يقبل باختلاف ثقافتهم بل و يعزز هذا الاختلاف .. و يحث على الحفاظ .. عليه …

هنا حيث يتمزج الآسود و الأبيض في تناغم .. لا مثيل له .. هنا … لا لغة .. فوق لغة الحب ……

هنا ….. كندا ..

وصلت منزلي في مونتريال .. و إذا .. بطرد بريدي يصلني من أمريكا .. فيه كل الصور التي التقطها فرناندو في سوريا ..

و بعض الطوابع البريدية … و صور بعض الرحلات التي قام بها …  و بعض العملات …

و ظرف بريدي لأول رسالة وصلته .. مني … قال لي .. ستكون هذه الصور لي في مأمن   لديك ..

أنا حزين لكل ما يجري .. في بلدكم .. كان لديك بلد جميل .. كنت محظوظا .. بزيارته …

هل تعلمين يا صديقتي أن أسوأ المخلوقات … الموجودة على الأرض .. هو  الإنسان …

هو المخلوق الوحيد الذي يتفنن في التدمير و التشويه .. هل عرفت .. لماذا  اخترت ..

العيش مع هذا الكلب و الببغاء … في هذا البيت … أنا مريض بالسرطان .. و أتمنى من الله الشفاء ..

رغم أنني عشت  حياتي كلها و أنا لم أمتلك هاتف خليوي .. و لم أمتلك سيارة .. أستخدم وسائل النقل العامة ..

و آقود دراجتي الهوائية ساعتين باليوم … و أكل كل ما هو صحي … و لا أشرب الكحول و لا أدخن ….

إلا أن السرطان .. كان .. أقوى مني . و استطاع .. أن ينخر .. بي ..  إلى العظم …

ربما ستكون الرسالة الأخيرة التي سأكتبها لك … لكني … سعيد .. جدا ..

بمعرفتك و بدوام صداقتنا كل هذه الآيام… سعدت جدا باستضافتك في بيتك و معرفة زوجك و ابنك ..

لن أنسى والدك .. كان رجلا طيبا .. .. بيتك في أبوظبي .. كان أفضل من جميع الفنادق التي سكنت بها في كل رحلاتي ..

. فيه الكثير الحب …. سلامي .. لك … كوني .. أنت … فأنت جميلة …

فتاة كنت أم سيدة .. أو أم … إن مت .. سأحمل في ذاكرتي .. الكثير من الذكريات الجميلة التي قضيتها ..

معكم … أتمنى من الله أن تعود البسمة لبيتكم.. بعودة والدك ..

صديقك المحب .. فرناندو ..

22\7\2017

رؤى الكيال  – مونتريال ..

حقوق النشر و الخصوصية  محفوظة لموقع . أهلا بكم في كندا ..

الوسوم
اظهر المزيد

Roua Kayal

أستاذة في الكيمياء - مدونة سورية من مدينة حمص - ناشطة إعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي - مديرة موقع آهلا بكم في كندا - مهتمة بأمور الهجرة و المهاجرين إلى كندا و كل ما يخص الاندماج في المجتمع الجديد الكندي .. آقدم نصائح من خلال تجربتي الشخصية في كندا .

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق