هذه قصتي

هذه قصتي الجزء رقم 21

رؤى الكيال

 

رؤى الكيال – مونتريال ..

هذه قصتي… الجزء الواحد و العشرون

بعد عودتي من أبوظبي … وضعت أوراقي و أقلامي على مكتبي الأسود .. و قررت أن ابدأ من جديد…

نزعت فكرة العودة إلى أبوظبي من جذورها ..

هذه الفكرة كانت تسبب لي القلق و عدم الاستقرار و التقلب في اتخاذ القرارات ..

حتى في شراء آي شيء يخص المنزل كصحن آو فنجان … عندما تراودني فكرة العودة لأبوظبي …

أتردد في الشراء … لا أريد التعلق بمزيد من الأشياء من حولي …

أتعلق بأصغر الأشياء و أحبها و أتعامل معها و كأنها قطعة مني …

تعبت كثيرا من الترحل و الترحال من بلد إلى بلد …

علي أن أتخذ القرار الحاسم بالتشبث بهذه الأرض الجديدة .. علي أن أعتبرها الوطن البديل …

سأحبها كما أحببت الإمارات … سأتعلق بجدران بيوتها الخشبية كما تعلقت برائحة البحر … هناك ..

على كاسر الأمواج في كورنيش أبوظبي رميت أحلامي … و عدت فارغة .. سلتي فارغة الأن ..

علي ملؤها بكل ما هو جميل.. لذلك .. قررت أن أبدآ …  بعد مرور ثلاث سنوات .. أصبحت أقوى هنا …

لم يعد يخيفني الثلج و لا البرد .. و بعد كل ما رأيته من مشاهد القتل في سوريا و كل ما قرأت عن قصص التعذيب ..

أصبحت بلا مشاعر … تجمد قلبي .. و تحول لقطعة من الجليد …

لم تعد تبكيني مشاهد الجثث و لم يعد يخفيني الموت …. لم يعد يؤثر بي أي شيء ….

كل ما مر بي في السنوات الثلاثة جعلني أكثر صلادة و قوة .. …

لم أعد تلك المرآة الطيبة التي تصدق كل ما يقال لها .. أصبحت أكثر شكا بكل ما يقال لي و ما يروى لي ….

علي أن أحلل و أدقق بكل شيء..

لم أعد أن أسمح لأي شخص بأن يخدعني أو أن يتسبب لي بالأذى قريبا كان أم بعيد …

غيرتهم الغربة ..؟؟. جملة كنت أسمعها كثيرا في كل زيارة لحمص .. و في كل مجلس للعائلة ……

لم أكن أدركها في ذلك الوقت .. أعتقد أن المجتمع يبالغ في وصف المغتربين … بقسوة القلب و غلظته ..

لكن مع مرور الوقت و الأيام و الغربة هنا في المهجر و في الدولة الأجنبية حصرا . … و طريقة الحياة التي يعيشها الناس في دول رأسمالية ..

و كل ما يمر به المهاجر من تقلبات و من صدمات نفسية يحاول آن ينأى بنفسه عنها في رحلة البحث عن الذات … تجعله غليظ القلب .

إذا قررت الاستقرار في مونتريال هذه المدينة الأقرب لي و لشخصيتي المتقلبة … هنا .. قد أجد نفسي الضائعة بين حزمة من الأحلام المتناثرة …

كان علي أن أتخذ هذا القرار منذ البداية لكن كثرة الصفعات التي تلقيتها في هذا البلد .. جعلتني خائفة تائهة . متقلبة ..

بين هنا و هناك …دخلت سيارتي في تلك الليلة الباردة و اتجهت إلى زيارة عائلة مصرية

الأستاذ تامر و زوجته الطيبة شيماء .. تامر الجوهري أستاذ لغة انجليزية مشهورة جدا في القاهرة ..

مهاجر تعرفت عليه و على زوجته عندما كنا ندرس الفرنسية في المستوى الأول و قضينا آياما جميلة معا …

قال لي تامر …

ـ رؤى لماذا لا تعودي للدراسة في الجامعة ..

ـ تامر تعرف جيدا أن الدراسة في الجامعة يلزمك درجة عالية بامتحان الآيلتس قد تصل إلى ٧ .

ـ اسمعي مني .. هناك شهادة تسمى دبلوم كفاءة لغوية .

تستطيعين بعد ا تحديد المستوى أن تدرسي آي اختصاص في جامعة ماجيل …

دون أن يطلب منك الأيلتس .. و بإمكانك الدراسة و الحصول على قرض جامعي يساعدك في مصروفك الشهري قليلا ..

ـ هل أنت واثق مما تقول ..

ـ نعم أنا آنهيت للتو هذه الشهادة و استلمتها .. انتظري قليلا ..

عاد تامر و معه شهادة من جامعة ماجيل .. سرعان ما وقعت في حب هذه الورقة …

ففخامة الاسم تكفي .. جامعة ماجيل .. الله .. إنها الحلم … ما آجمل رمز الجامعة ..

و ورق الشهادة .. رائحتها لا تشبه شيء آخر ..

ـ ليست حلم .. تعالي سنقوم بالتسجيل .. الأن .. الأمر لن يآخد مني آكثر من دقائق …

و بالفعل بينما كانت شيماء تحضر العشاء ..

قمنا بالتقديم للدراسة عبر موقع الجامعة و دفع المستحقات اللازمة و بعد شهرين قمت بعمل امتحان تحديد مستوى

و بالفعل نجحت بالامتحان و كانت الدرجة التي حلصت عليها تؤهلني لدراسة هذه الشهادة..

و بعد مرور شهر وصلتني رسالة من الجامعة مفادها آنه تم قبولي في الجامعة في دراسة هذا الدبلوم

كدت أموت من شدة الفرح … الحمد لله .. سأبدأ الرحلة .. على قاعدة صحيحة …

لطالما كان زوجي يقول لي .. اللغة ثم اللغة .. لكني في ذلك الوقت كنت أعاني من مشاكل نفسية ..

منعتني من التركيز على أي شيء .. كنت يوما أحب و يوما أكره .. يوما هادئة كالنسيم .. و يوما هائجة كالمحيط …

متقلبة كتقلب الآجواء هنا .. مضطربة .. موجة تآخذني و موجة ترجعني ..

ربما هنا في هذه الجامعة .. .. سترسو سفينتي هذه المرة على ميناء سلام … سأتعرف على أصدقاء جدد …

سأعود لمقاعد الدراسة .. مرة أخرى لكن في الجامعة التي كنت أقرأ عليها و أسمع عنها في صفحات الانترنت ..

ذهبت قبل بدء الدوام الجامعي إلى المكتبة و اشتريت كل ما يخص الدراسة

من أقلام و دفاتر و بعض المعاجم الإنجليزية و الفرنسية … في كل مرة أشتري به قلما … أشعر بالغبطة ..

أجرب الآقلام و الآلوان على أوراق بيضاء .. و أكتب اسمي و أكتب و أكتب و أوقع .. أملأ الصفحات البيضاء .. بتوقيعي فقط ..

توقيعي المضحك .. لم آكن أعرف لماذا آوقع و لماذا كلما وقعت ورقة آو قطعة من المناديل الورقية .. أرسم عليها توقيعي .. أسخر من نفسي و أقول ..لا بد آن أكون يوما ما ..

في مكان .. أوقع .. به قرارات حاسمة … سأكون سفيرة ..بل وزيرة … …

سأوقع على صكوك الحب و العدالة … سأعود يوما … للمكان الذي أستحقه .. حتى لو بعد حين ..

أخذت المترو و ووصلت للجامعة قبل بدء الدرس الأول بساعة ..

آحب دائما أن أكون أول من يصل إلى الصف و أخر من يخرج منه …

جامعة ماجيل تتآلف من مجموعة ضخمة من المباني المتفرقة هنا و هناك حول شارع شيربروك في مونتريال المبنى الذي تراه يتوسط المدينة في موقع رائع جدا …

يخال إليك أنك تدخل لقصر .. لا لجامعة …

آما المبنى الذي أدرس فيه فهو آقرب إلى بناء حديث ..

القاعة تحتوي على بعض الطاولات الدائرية و الكراسي المتحركة .. في كل قاعة يوجد على كل حائط سبورة بيضاء ..

كما يوجد سبورة ذكية .. يستطيع الآستاذ التجوال في الصف بكل حرية …

كنت أول من دخل القاعة …مسكت .. القلم ..

و بدآت آرسم و أرسم .. و أكتب بعض الرموز الكيميائية لبعض المركبات و بعض المعادلات التي لازلت آذكرها …

لم أنسى يوما .. هذا المكان و هذه الطاولة … هنا أمام هذه السبورة البيضاء ..

كنت آستمتع في شرح الدروس و التدريس … دمعت عيناي عندما تذكرت ..

ملفاتي التي كانت تحيط بي .. و تذكرت الصف الذي كنت آدرس به ..

كنت على عناية بجميع التفاصيل التي فيه … كان غرفة للاستجمام و الراحة و الدراسة و الحب و الكيمياء … ما علينا …

علي آن آنزع من هذه الذاكرة هذه الفترة … ليتني لم أكن و ليتها لم تكن…

لكن كيف لك أن تلغي تاريخ آو تمحو من تاريخك .. خمسة عشرة عاما من التدريس …

كيف عليك أن تسقط الأنا التي كبرت فيك و معك . من ذاكرتك….

في هذا اليوم بالتحديد .. قررت آن أنسى كل ما تعلمته … و كل ما علمته …

علي أن أعتبر نفسي طالبة ثانوية عامة آنهت دراستها الثانوية و بدأت دراستها الجامعية ..

الفرق .. آنني هنا في الأربعين من العمر و هناك كنت في العشرين …

بعد عشرين عام .. عدت لمقاعد الدراسة .. و للجامعة …

أنهيت العام الأول و نجحت في جميع المواد التي قدمتها عشرة مواد …

الدراسة في ماجيل مختلفة .. لم يكن كل المدرسين بالدرجة التي كنت أتوقعها لكن أغلبهم كانوا ممتازين ..

سواء مدرسي اللغة الفرنسية آو الإنجليزية .. تختلف طرق التعليم عن بلادنا …

عرفت .. لماذا لا يعترفون بشهاداتنا الجامعية ..

لأن دراستنا تعتمد على الحشو و الحفظ .. أما هنا فكل شيء تقريبا يعتمد على التطبيق حتى في تعلم اللغة ..

طريقة التقسيم و أسلوب التدريس لبعض الأساتذة كانت حقا مذهلة ..

نجحت بجميع المواد و بمعدلات بين ممتاز و جيدا جيدا ..

كانت هذه فرصة جديدة لأكتشف شيء جديد لدي و هو حب اللغات ..

فكرت آن آدرس الترجمة .. فعقدة اللغة التي كانت سببا في إيقاف عجلة التقدم لدي عند وصولي لكندا ..

سببت لي حالة من القهر و الآسى … و التآخر في الاندماج و إيجاد فرص العمل …

 

أنتظر بفارغ الصبر إنهاء هذا الدبلوم اللغوي .. لأستطيع الالتحاق بكلية الكيمياء..

و العودة للدراسة من نقطة الصفر …. تصيبني آحيانا كثيرة حالات التعب و الإرهاق و الملل .. إلى متى ..

سأبقى رهينة هذا الكرسي و الطاولة و هذا المكتب ..متى سأنتهي من تخزين و تجميع هذه الآوراق …

لكن بمجرد آن أقضي يوما آو يومان في البيت ..

يتسلل الملل إلى داخلي و تبدآ رحلة الحزن و الكآبة .. إذا للتخلص من هذه الحالة . علي الخروج من المنزل …

هذا هو الحل الوحيد.. خلال آسابيع قليلة .. سأعود للدراسة ..لإنهاء الشهادتين اللتان آقوم بدراستهما …

في كل يوم . .أحلم بالوقوف على ذلك المسرح.. في حفلة التخرج..

و الحصول على هذه الشهادة التي سوف تؤهلني .. للعودة .. للمكان الذي آحب ..

و آعشق .. مختبر الكيمياء …. خطواتي هنا بطيئة  .. بسبب  تعدد مسؤولياتي ..

لكن بالرغم من هذا ..  .. إلا أنني أتعلم و أتعلم في كل يوم شيء جديد ..

و آنا على قناعة تامة بالمقولة .. :  آن تصل متآخر خيرا من ألا تصل ..

١٩\ ٨  ٢٠١٧

حقوق النشر محفوظة لموقع آهلا بكم في كندا.

 

لقراءة الجزء السابق  http://cutt.us/HrO99

 

 قاعة الكيمياء في آبوظبي

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق